مبادرة أمريكية لإعادة توحيد ليبيا.. مستشار ترامب يكشف عن التفاصيل
تكثف الولايات المتحدة جهودها للدفع نحو تسوية سياسية جديدة في ليبيا تقوم على تقاسم السلطة بين الإدارتين المتنافستين في شرق البلاد وغربها، في محاولة لإخراج ليبيا من دائرة الانقسام التي استمرت لأكثر من عقد.
تستند المبادرة الأمريكية إلى تشكيل حكومة موحدة تتولى إدارة البلاد وتوحيد المؤسسات المنقسمة، بالتوازي مع تحريك مسار الاستثمارات الأجنبية، وخاصة الأمريكية، في قطاع النفط الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي.
وكشف مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، أن الخطة المطروحة تهدف إلى إقامة سلطة تنفيذية موحدة تمثل مختلف الأطراف الليبية.
وأشار إلى أن هذه الخطوة تشكل حلاً انتقالياً قصير الأمد يمهد الطريق أمام استكمال المسار السياسي وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في مرحلة لاحقة، بالتنسيق مع جهود الأمم المتحدة الرامية إلى إنهاء الأزمة الليبية المزمنة.
ترتيبات السلطة الجديدة
بحسب المعلومات المتداولة حول المبادرة، فإن التصور الأمريكي يتضمن إسناد رئاسة مجلس تنفيذي رئاسي إلى صدام حفتر، نجل المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي، مع تولي عبدالحميد الدبيبة منصب رئيس الحكومة.

كما تتضمن الصيغة المقترحة منح أحد المقربين من الدبيبة موقعاً بارزاً داخل جهاز الأمن القومي، بما يضمن تمثيلاً للطرفين داخل مؤسسات الدولة السيادية.
ويأتي هذا الطرح في ظل واقع سياسي وأمني معقد؛ إذ يسيطر معسكر الشرق على مناطق واسعة من البلاد عبر قوات الجيش الوطني الليبي، في حين يعتمد معسكر الغرب على شبكة من التشكيلات المسلحة التي تمثل أحد أبرز عناصر القوة السياسية والأمنية في العاصمة طرابلس ومحيطها.
النفط في قلب الحسابات الأمريكية
لا تخفي واشنطن أن البعد الاقتصادي يشكل أحد المحركات الرئيسية لهذه المبادرة. فإلى جانب السعي لتحقيق قدر من الاستقرار السياسي، تسعى الإدارة الأمريكية إلى تعزيز حضور الشركات الأمريكية في قطاع الطاقة الليبي.
وأشار بولس إلى أن شركتي "كونوكو فيليبس" و"شيفرون" أبرمتا بالفعل اتفاقيات تعاون مع ليبيا خلال عام 2026، في خطوة تعكس الاهتمام المتزايد بالإمكانات النفطية الهائلة التي تمتلكها البلاد.
وترى الإدارة الأمريكية أن ليبيا قادرة على مضاعفة إنتاجها النفطي ليصل إلى نحو 3 ملايين برميل يومياً قبل نهاية العقد الحالي، وهو ما قد يضعها ضمن قائمة كبار المنتجين عالمياً، مستفيدة من أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا ومن مساحات واسعة ما تزال غير مستغلة استثمارياً بالشكل الكافي.
تشكيك واسع في فرص النجاح
ورغم التفاؤل الأمريكي، تواجه المبادرة شكوكاً كبيرة لدى دوائر دبلوماسية وخبراء متخصصين في الشأن الليبي. فالمحللين يرون أن أزمة الثقة بين الأطراف المتصارعة ما زالت عميقة، وأن الخطاب السياسي السائد في الشرق والغرب لا يعكس وجود استعداد حقيقي لتقاسم السلطة أو تقديم تنازلات جوهرية.
ويشير مراقبون إلى أن معسكر الدبيبة ينظر بحذر إلى أي ترتيبات تمنح صدام حفتر موقعاً مؤثراً داخل هرم السلطة، خشية أن تتحول تلك الترتيبات إلى بوابة لتوسيع نفوذ عائلة حفتر على مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، لا توجد مؤشرات واضحة على استعداد معسكر الشرق للتخلي عن مكاسبه السياسية والعسكرية التي راكمها خلال السنوات الماضية.
معضلة المليشيات والفساد
تواجه الخطة الأمريكية تحدياً أكثر تعقيداً يتمثل في النفوذ الواسع للجماعات المسلحة على جانبي الانقسام. فهذه التشكيلات أصبحت جزءاً من البنية السياسية والاقتصادية القائمة، ما يجعل أي مشروع لإعادة بناء الدولة أو توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية مهمة شديدة الصعوبة.
ويرى خبراء أن اعتماد القوى السياسية الرئيسية على الجماعات المسلحة يجعلها غير قادرة عملياً على تفكيكها أو الحد من نفوذها، فيما تواصل بعض هذه الجماعات توسيع سيطرتها على الموارد العامة ومراكز القرار، الأمر الذي يفاقم مظاهر الفساد ويقوض فرص بناء مؤسسات دولة مستقرة وفاعلة.
بين التفاؤل الأمريكي والواقع الليبي
تستند واشنطن في تفاؤلها إلى عدد من المؤشرات الإيجابية، من بينها إقرار أول ميزانية موحدة منذ أكثر من عشر سنوات، وتوقيع اتفاقات تنموية مشتركة بين شطري البلاد، إضافة إلى مشاركة قوات من الشرق والغرب في مناورات عسكرية مشتركة برعاية القيادة الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم". كما تعمل الولايات المتحدة على دعم مسار توحيد المؤسسة العسكرية باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لإنهاء الانقسام.
ومع ذلك، تبقى فرص نجاح هذه المبادرة رهناً بقدرة الأطراف الليبية على تجاوز إرث طويل من الصراعات وانعدام الثقة.
وبينما تبدو الخطة الأمريكية محاولة جادة لإعادة رسم المشهد السياسي الليبي، فإن الواقع الميداني المعقد وتشابك المصالح النفطية والعسكرية يجعلان الوصول إلى حكومة موحدة مهمة شاقة، قد تتطلب أكثر من مجرد اتفاق سياسي لتتحول إلى واقع مستدام على الأرض.