الحياة في إيران.. فقر وديون وتضخم وبطالة تطحن ملايين الأسر
كشف تقرير لصحيفة «تليغراف» البريطانية عن تفاقم الأزمة المعيشية في إيران مع تسارع التضخم وارتفاع الأسعار بوتيرة غير مسبوقة.
وأفاد مواطنون بأن أسعار السلع الأساسية تتغير يومياً، فيما فقد كثيرون وظائفهم بسبب نقص السيولة وتعطل الإنتاج.
وتظهر شهادات السكان اتساع الفقر والديون وتراجع القدرة الشرائية، ما يدفع ملايين الإيرانيين إلى تقليص إنفاقهم والاكتفاء بالضروريات الأساسية فقط.
وقال التقرير إن أسعار المعيشة في إيران وصلت لنقطة الغليان الشديد.
وأورد التقرير شهادات من إيرانيين وصفوا كم بات الوضع الاقتصادي صعبا. ومن بين هؤلاء رجل يدعى "جلال" (35 عاماً) والذي قال إن متجراً صغيراً قريباً من منزله علق لافتة جديدة على بابه. كُتب عليها: "اسأل عن الأسعار قبل أن تتسوق، لأنها ترتفع".

ويقول جلال، الذي فقد مؤخراً وظيفته في مصنع صغير قرب طهران أن "الأسعار ترتفع كل ساعة". فعبوة الجبن الصغيرة بات سعرها 270 ألف تومان (1.12 جنيه استرليني). وفي يوم الأربعاء الموافق 3 يونيو/حزيران 2026 أصبح سعر العبوة نفسها 370 ألف تومان (1.54 جنيه استرليني).
وقال: "صاحب المتجر يقول إنه في أغلب الأحيان لا يستطيع شراء السلعة نفسها بالسعر نفسه في اليوم التالي، لذلك يرفع أسعاره".
ووفقاً لتقرير الصحيفة، فإنه في إيران يبلغ متوسط الأجر اليومي مليون تومان، أي ما يعادل نحو 4.20 جنيه استرليني وفق أسعار السوق الحالية المتراجعة. لكن الأسعار في أنحاء البلاد ترتفع بسرعة كبيرة إلى درجة أن أصحاب المتاجر لا يستطيعون مجاراتها، فيما تُدفع العائلات نحو الأزمة.
- واشنطن تشدد الخناق على شبكات تمويل إيران عبر «الغضب الاقتصادي»
- بصمات الحرب تفضح هشاشة اقتصاد إيران.. عملة أضعف وتضخم أعلى وعجز مالي أكبر
الوضع من سيئ لأسوأ
وازداد الوضع سوءاً بسبب حصار بحري تفرضه القوات الأمريكية في مضيق هرمز لتدمير الألغام البحرية التي تزرعها طهران لتعطيل الملاحة عبر المضيق وتقييد حركة السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو القادمة منها منذ 13 أبريل/نيسان، ما يخنق صادرات النفط التي تموّل الاقتصاد ويقطع خطوط الإمداد التي تعتمد عليها المصانع والمستوردون الإيرانيون.
ومع إعادة السفن القادمة من الموانئ الجنوبية الإيرانية وتباطؤ التجارة إلى حدها الأدنى، ارتفعت تكلفة كل شيء تقريباً -الغذاء والوقود والأدوية والنقل- وأصبح الضغط يُشعر به ليس في المكاتب الحكومية بل في المطابخ والمصانع والمتاجر الصغيرة.

أما السبب الثاني لاشتداد الوضع الاقتصادي فهو تضخم خرج عن السيطرة، يلتهم الأجور والمدخرات بسرعة تفوق قدرة الأسر على التكيف.
وروى جلال أنه فقد عمله عندما نفدت السيولة من مصنعه. ويقول: "كانوا يخسرون المال، ولم يعودوا قادرين على شراء المواد الخام، فقاموا بطرد 26 منا".
ويضيف أن ارتفاع أسعار البقالة تثير مخاوفه على ابنته البالغة من العمر أربع سنوات. ويقول: "الناس يحملون همّ الخبز"، وقال: "عندما أغادر صباحاً لأقف عند أحد الدوارات بحثاً عن عمل يومي، وعندما أجد عملاً، أحضر لها تفاحة أو شيئاً من هذا القبيل. وفي بعض الليالي أعود إلى المنزل متأخراً جداً فتكون قد نامت بالفعل ولا تراني".

تضخم قياسي
وتتوافق روايته مع الأرقام الرسمية التي أثارت قلق حتى الاقتصاديين الإيرانيين أنفسهم. فقد بلغ معدل التضخم السنوي 57.7% في الشهر المنتهي أواخر مايو/أيار، وهو الشهر الثالث على التوالي الذي يسجل فيه رقماً قياسياً خلال ثمانية عقود، مرتفعاً أربع نقاط مئوية عن الشهر السابق، وفقاً لمركز الإحصاء الإيراني.
لكن المعاناة تتركز في السلع اليومية، إذ ارتفع المعدل الذي تشعر به الأسر فعلياً إلى ما يقرب من 84% وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنحو 130% خلال 12 شهراً، أي ما يقرب من ضعف المعدل العام.
وضمن هذه الفئة، ارتفعت أسعار المواد الأساسية على المائدة الإيرانية بمعدلات أكبر بكثير: فالأرز ارتفع بنسبة 223%، والدجاج 287%، والبيض 343%، وزيت الطهي السائل 354%، وزيت الطهي الصلب 431%. أما البطاطس، في المقابل، فارتفع سعرها بأقل من 20%، في إشارة إلى مدى التفاوت الذي تضرب به الأزمة حتى داخل سلة التسوق الواحدة.
وتحدثت "تليغراف" إلى "إحسان"، وهو أب لطفلين ويبلغ من العمر 32 عاماً ويعمل في مشروع صغير بمدينة أصفهان، يتقاضى 30 مليون تومان شهرياً، أي نحو 125 جنيهاً استرلينياً وفق سعر صرف يقارب 240 ألف تومان للجنيه الاسترليني. لكن هذا المبلغ لا يكفيه لأسبوع واحد.
ويقول: "أتقاضى راتبي في أول سبت من كل شهر، وبحلول الأربعاء يكون قد انتهى بالكامل. يذهب للإيجار والطعام ومصاريف الذهاب إلى العمل وتسديد الأموال التي اقترضتها من أقاربي خلال الشهر. وما زلت غارقاً في الديون -ديون كثيرة- فقط لأتمكن من الاستمرار يوماً بيوم".

وعندما تنفد الأموال، يتصل بأقاربه الذين غالباً لا يملكون شيئاً ليقرضوه. ويضيف: "كل ما نفعله هو اقتراض المال من بعضنا البعض لكي نبقى على قيد الحياة. صاحب البقالة في شارعنا يريد مني المال أيضاً لأنني اشتريت أشياء ولم أدفع ثمنها. الناس لم يعد لديهم مال. لم يكن الوضع هكذا أثناء الحرب. لكنه يزداد سوءاً كل يوم".
ولا يتوزع هذا الضغط بالتساوي. فقد تجاوز التضخم في المناطق الريفية 100%، أي بأكثر من 20 نقطة مئوية مقارنة بالمدن.
أما الإيرانيون ذوو الدخل الأدنى -الشريحتان الأدنى دخلاً- فقد ارتفعت الأسعار بالنسبة لهم بأكثر من 95% خلال العام، مقابل نحو 82% للأكثر ثراءً. وشهدت المحافظات الغربية، بما فيها لرستان وكردستان وكرمانشاه وإيلام، أكثر من تضاعف في الأسعار.

أما طهران، التي يبلغ فيها معدل التضخم نحو 69%، فتسجل أدنى معدل في البلاد، وهو فارق يشير إلى اتساع الهوة بين العاصمة وبقية المناطق. وحتى قبل الحرب، قدّر مركز الأبحاث التابع للبرلمان الإيراني أن 26 مليون شخص، أي نحو 30% من السكان، كانوا يعيشون في فقر مدقع.
وتقول سيما، وهي خريجة علوم حاسوب تبلغ من العمر 27 عاماً في طهران، إنها وأصدقاءها تخلوا عن المقاهي التي كانت تمثل جزءاً أساسياً من أسبوعهم.
وتضيف: "كانت كل زيارة تكلفنا ملايين التومانات، وفقط واحدة منا لديها وظيفة. الآن نذهب إلى الحدائق أو نبحث عن مكان رخيص. وأحياناً نمزح قائلين إنه ربما ينبغي لنا أن نتزوج فقط".

وقد باعت سيارتها العام الماضي وهي تندم على ذلك الآن، إذ إن الطراز نفسه أصبح يساوي أربعة أضعاف المبلغ الذي حصلت عليه عند البيع. وتقول: "كان يمكن أن يكون استثماراً جيداً".
أما الآن، فاليقين الوحيد هو تلك اللافتة المعلقة على باب المتجر، والحسابات اليومية التي تفرضها على ملايين الناس: ماذا يشترون اليوم، وما الذي يؤجلونه إلى الغد، حين سيكلفهم حتماً أكثر.