المنخفض «ليوناردو» يضرب بقوة ويخلف فيضانات مدمرة في البرتغال وإسبانيا
تشهد شبه الجزيرة الإيبيرية واحدة من أعنف الكوارث المناخية في 2026، بعدما تسبب المنخفض الجوي "ليوناردو" بأمطار قياسية وفيضانات جارفة.
وبين خسائر بشرية، وإجلاء آلاف السكان، وتحذيرات من مستقبل مناخي أكثر قسوة، تكشف هذه الأزمة عن وجه جديد للتغير المناخي في أوروبا، بحسب صحيفة "سود ويست" الفرنسية.
وتسببت أمطار استثنائية ناتجة عن المنخفض الجوي "ليوناردو" في هطول كميات هائلة من المياه، انهمرت يوم الخميس على شبه الجزيرة الإيبيرية، ما أدى إلى فيضانات مروعة وإجلاء آلاف السكان في إسبانيا والبرتغال.
من جانبها، ترى عالمة المناخ الفرنسية فرانسواز فيمو أن هذه التساقطات المطرية الهائلة تجسد"مناخًا يواصل الاحترار"، وتعكس ملامح فصول الشتاء المقبلة.
وأوضحت أنه في إقليم الأندلس جنوب إسبانيا، غمرت الأمطار الغزيرة المنطقة بكميات غير مسبوقة.

ففي غضون 24 ساعة فقط، سقط ما يقرب من 40 سنتيمترًا من الأمطار، أي ما يعادل عدة أشهر من الهطولات.
وجرفت السيول الموحلة كل ما في طريقها: الشوارع غارقة، الطوابق الأرضية مغمورة، وحركة القطارات متوقفة. وقد أُجلِيَ أكثر من 3 آلاف شخص، فيما لا تزال امرأة في عداد المفقودين.
ووصفت وكالة الأرصاد الجوية الإسبانية هذه الأمطار بأنها استثنائية من حيث حجمها، مؤكدة أنها ناجمة عن مرور المنخفض ليوناردو.
ورغم خفض مستوى التحذير يوم الخميس من الأحمر إلى البرتقالي، فإن التوقعات تشير إلى استمرار هطول الأمطار وهبوب رياح قوية حتى يوم السبت 7 فبراير/ شباط.
أما البرتغال المجاورة، التي لم تتعافَ بعد من آثار عاصفة "كريستين" الأسبوع الماضي، فلا تزال تعاني بدورها، حيث لقي رجل في الستين من عمره مصرعه يوم الأربعاء 4 فبراير/ شباط في جنوب شرق البلاد، بعدما جرفته مياه نهر.

ورغم وصف السلطات البرتغالية للوضع بأنه "أزمة مدمّرة"، فإن ذلك لن يمنع تنظيم الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية يوم الأحد المقبل.
وكان مرشح اقصي اليمين أندريه فينتورا قد طالب بتأجيل الاقتراع الذي سيواجه فيه المرشح الاشتراكي المعتدل أنطونيو جوزيه سيغورو، المرشح الأوفر حظًا للفوز. غير أن الهيئة الانتخابية سارعت إلى استبعاد هذا السيناريو، مذكّرة بأن القانون البرتغالي لا يسمح بـ"تأجيل عام للانتخابات على المستوى الوطني".
وقال رئيس الوزراء البرتغالي لويس مونتينيغرو مساءً: "نحن أمام أزمة مدمّرة"، معتبرًا في الوقت ذاته أن الاضطرابات "قابلة للاحتواء"، وداعيًا المواطنين إلى التحلّي بـ"روح التضحية"والتوجّه إلى صناديق الاقتراع يوم الأحد رغم الظروف الصعبة".
وينص القانون مع ذلك على إمكانية تأجيل الاقتراع بشكل موضعي، ولكن فقط بقرار من السلطات البلدية.
وقد أعلنت بلدية ألكاسير دو سال، في جنوب البلاد، وهي من أكثر المناطق تضررًا، عدم قدرتها على تنظيم الانتخابات في موعدها.
وقالت رئيسة البلدية كلاريس كامبوس: "لسنا قادرين على إجراء الانتخابات يوم الأحد"، مشيرة إلى أن عدة قرى تضم نحو 10 آلاف ناخب باتت معزولة، وأن جزءًا من وسط المدينة غمرته مياه نهر سادو.
يوم الخميس، اضطر رجال الإطفاء إلى استخدام زوارق مطاطية لإجلاء السكان العالقين. وقالت ديوليندا غيرا، وهي متقاعدة تبلغ من العمر 78 عامًا، جرى إجلاؤها من منزلها: بيتي غارق بالمياه. كل شيء تالف: الغسالة، الثلاجة، الأثاث… المياه وصلت تقريبًا إلى منتصف الجدار.
وفي وسط البلاد، رفعت الحماية المدنية في إقليم سانتاريم مستوى الخطر من فيضان نهر التاجة إلى "اللون الأحمر" وهو أعلى مستوى إنذار، وأمرت السلطات المحلية بـ"إجلاء إلزامي" للمناطق المحاذية للنهر.
وقال القائد الوطني للحماية المدنية، ماريو سيلفستر: "لم نشهد وضعًا كهذا في حوض نهر التاجة منذ عام 1997".
وكانت البرتغال قد تعرضت الأسبوع الماضي لعاصفة "كريستين " التي أودت بحياة خمسة أشخاص، كما سجلت ثاني أكثر شهر يناير رطوبة منذ عام 2000، بحسب المعهد البرتغالي للأرصاد الجوية.
وحتى الآن، أسفرت تداعيات المنخفض "ليوناردو" عن وفاة شخص واحد في البرتغال يوم الأربعاء، فيما لا تزال امرأة فقدت بعد سقوطها في مجرى مائي في منطقة الأندلس جنوب إسبانيا.
وتعد شبه الجزيرة الإيبيرية من أكثر المناطق الأوروبية تأثرًا باضطرابات المناخ، حيث تشهد منذ سنوات موجات حر أطول وأمطارًا غزيرة أكثر تواترًا وحدّة. ويعد"ليوناردو" سادس عاصفة من هذا النوع منذ بداية عام 2026، خلال فترة لا تتجاوز شهرًا واحدًا، وفق الوكالة الإسبانية للأرصاد الجوية.
وفي إسبانيا، وتحديدًا في بلدة غرازاليما بالأندلس، وهي من أكثر المناطق تضررًا، أوضح رئيس الإقليم خوان مانويل مورينو أنه في غضون 16 ساعة فقط، هطلت كمية أمطار تقارب ما تهطل عادة خلال عام كامل في منطقة مدريد.
وقد أجليت البلدة، التي تقع على ارتفاع نحو 800 متر ويقطنها حوالي 1500 نسمة، بعد ظهر الخميس بسبب خطر الانهيارات الأرضية.
وقال أحد السكان، ميغيل أنخل أغيلار: "كانت المياه تتدفق من كل مكان، والجميع يحاول إخراجها، وكنا نشعر بين الحين والآخر باهتزازات". وأضاف: "لا أعلم إن كان مصدرها الجبل المشبع بالمياه أم مشكلة في السد".
من جانبه، علق رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز قائلًا: "من الواضح أننا نمر بأيام معقدة وصعبة".
وأُمرت بعمليات إجلاء إضافية، خصوصًا في الأندلس، شملت آلاف السكان.
كما وضعت مناطق في وسط وشمال غرب إسبانيا، على بُعد نحو ألف كيلومتر، تحت حالة تأهب برتقالي، خاصة بسبب الرياح العاتية. ولا يزال النقل البري والسكك الحديدية يعاني من تباطؤ شديد.
وتوقعت الوكالة الوطنية للأرصاد الجوية في إسبانيا هطول أمطار "متقطعة أكثر" يوم الجمعة، قبل أن تشتد من جديد يوم السبت، لا سيما في المناطق التي تضررت بالفعل خلال الأيام الماضية.