خبير بيئي: التكنولوجيا الجغرافية مفتاح صمود المدن أمام التغير المناخي
أكد خبير متخصص في شؤون البيئة، أن المدن تقف في الوقت الراهن في مواجهة مباشرة مع التغير المناخي وتداعايته المتفاقمة.
ويعد مستقبل المدن والتحولات السكانية ضمن المحاور الرئيسية للقمة العالمية للحكومات 2026، والذي يركز على دور الحكومات على المستويين المحلي والوطني في إعادة تصور أساليب حوكمة المدن لضمان الشمولية والمرونة والاستدامة وسط التحولات السكانية.
وفي حديثه إلى «العين الإخبارية»، يوضح عمر الشوشان، رئيس اتحاد الجمعيات البيئية في الأردن، أن تجاوز هذه المرحلة لن يكون ممكنا دون تسخير التكنولوجيا الجغرافية والبيانات الفضائية لبناء تخطيط حضري مرن وقادر على التكيف المستدام.
في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، استضافت مدينة وارسو البولندية الدورة التاسعة عشرة من مؤتمر الأطراف المعني بتغير المناخ (COP19)، حيث وُضعت المدن على جدول أعمال المؤتمر لأول مرة.
كما أن القمة العالمية للحكومات 2026 تركز على استشراف مستقبل المدن التي ستعتمد على تخطيط حضري جرئ يستشرف المستقبل ويبني الفرص الناشئة ويعيد تصور الحياة الحضرية للأجيال القادمة.
واعتبر الشوشان، الذي أجرت "العين الإخبارية" المقابلة معه تزامنا مع القمة العالمية للحكومات، ذلك إشارة واضحة إلى ضرورة دعم المدن لتصبح أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية؛ خاصة أن المدن تُعد أكثر عرضة لدرجات الحرارة المرتفعة التي تتفاقم بفعل الاحترار العالمي، فيما يُعرف بـ«الجزر الحرارية الحضرية» (Urban Heat Island)، وهي الظاهرة التي ترتفع خلالها درجات حرارة المدن مقارنة بالمناطق الريفية المحيطة بها.
ويرجع ذلك في المقام الأول إلى قلة الغطاء النباتي وانتشار المباني والطرق، وهي عوامل تزيد من امتصاص حرارة الشمس وتُضعف عمليات التبريد الطبيعي.
وأكد الشوشان أن الاعتماد على البيانات الدقيقة ونظم المعلومات الجغرافية لم يعد رفاهية بحثية، بل أداة حاسمة لحماية المدن والسكان من المخاطر المناخية المتصاعدة وتحويل التحديات البيئية إلى فرص تنموية ذكية.
لذلك، يسعى العلماء من تخصصات مختلفة إلى دعم المدن وتعزيز قدرتها على التكيف مع التغيرات المناخية، وتبرز تكنولوجيا الجغرافيا المكانية (Geospatial Technology) وبيانات الأقمار الصناعية كإحدى الأدوات التكنولوجية الحديثة الداعمة لتكيف المدن.
وأضاف عمر الشوشان، أن «التكنولوجيا الحديثة أصبحت أكثر من مجرد أداة، خاصة مع تفاقم تأثيرات التغيرات المناخية بمرور الوقت؛ إذ باتت وسيلة أساسية للتكيف والبقاء».
وأشار إلى أهمية نظم المعلومات الجغرافية وتحليل الذكاء الاصطناعي والبيانات الفضائية، التي أصبحت «ضرورة لفهم التغيرات المناخية في منطقتنا العربية، التي تعاني من الجفاف والتقلبات المناخية الحادة والضغوط المائية».
كيف؟
هناك العديد من السبل التي يمكن من خلالها الاستفادة من التكنولوجيا والبيانات الجغرافية لدعم المدن كي تصبح أكثر مرونة وتكيفًا مع التغيرات المناخية، من بينها:
1- رسم الخرائط الحرارية
تتيح الأقمار الصناعية الحصول على بيانات دقيقة لدرجات الحرارة في المدن المختلفة وتحديد المناطق الأكثر سخونة. ومن خلال هذه البيانات، يستطيع المتخصصون رسم الخرائط الحرارية للمدن، ومن ثم تقديم مقترحات للطرائق المناسبة للتعامل معها، مثل التوجيه بزراعة الأشجار، أو استخدام المواد العاكسة للتبريد، أو إنشاء الأسطح الخضراء.
2- رصد التغيرات في البنية التحتية
تمكّن البيانات الجغرافية المكانية من رصد التغيرات الحاصلة في استخدام الأراضي، والتوسعات العمرانية، أو إزالة الغابات والأشجار، وهي عوامل معروفة بإسهامها في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري.
ومن جانب آخر، تساعد هذه البيانات في رصد التغيرات في البنية التحتية الزرقاء، بما يتيح الاستعداد الجيد للأمطار الغزيرة والفيضانات، والاستفادة من كميات المياه الناتجة عنها بدلًا من تحولها إلى كوارث قد تودي بحياة آلاف الأرواح، فضلًا عن الخسائر في المباني والمنشآت.
3- إدارة المخاطر
تُسهم أدوات نظم المعلومات الجغرافية وبيانات الأقمار الصناعية في تعزيز آليات الإنذار المبكر وإدارة مخاطر الكوارث والتخطيط المسبق لها، وذلك من خلال تحديد المناطق الأكثر عرضة للفيضانات، وحرائق الغابات، والانهيارات الأرضية، والجفاف، والأعاصير، والظروف الجوية المتطرفة.
4- رصد انبعاثات الغازات الدفيئة
ترصد الأقمار الصناعية انبعاثات الغازات الدفيئة، ما يوفر تقييمات دقيقة للوضع الراهن لظاهرة الاحتباس الحراري، إلى جانب بناء نماذج مناخية للتنبؤ بالظروف المستقبلية المحتملة.
وتمتاز هذه التقنية بقدرتها العالية على الرصد الدقيق، ما يعزز قدرة المدن على تتبع التقدم نحو تحقيق أهداف الحياد الكربوني.
5- تعزيز استخدام الطاقة المتجددة
يوفر التحليل الجغرافي المكاني معلومات حول أنماط الإشعاع الشمسي والرياح، ما يساعد في تحديد المواقع المثلى لتركيب ألواح الطاقة الشمسية ومزارع الرياح، وبالتالي تحقيق أقصى استفادة ممكنة من مصادر الطاقة المتجددة.
تحديات
على الرغم من الآفاق الواعدة لهذه التكنولوجيا المتقدمة في مواجهة أزمة المناخ ودعم صمود المدن وتكيفها مع التغيرات المناخية، فإن الأمر لا يخلو من تحديات.
وبحسب الشوشان، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توفر هذه التكنولوجيا، بل في عدالة الوصول إليها.
ويوضح الشوشان أن هناك تفاوتًا واضحًا بين الدول في القدرة على الوصول إلى هذه الأدوات وتوظيفها؛ فبينما تمتلك بعض الدول المتقدمة إمكانات تكنولوجية رائدة لرصد المخاطر البيئية والتخطيط المستدام، لا تزال المنطقة العربية تعتمد على معلومات محدودة وطرق تقليدية في التقدير، ما يعرضها لخسائر اقتصادية وبيئية واجتماعية.
ويرى الشوشان أن امتلاك هذه التكنولوجيا الحديثة سيسهم في دعم الاستجابة لآثار التغيرات المناخية بشكل أسرع وأكثر ذكاءً، قائم على بيانات دقيقة، بما يساعد الشباب والباحثين وصناع القرار على ابتكار حلول تلائم المنطقة العربية التي تتمتع بطابع ونظام بيئي فريد، وتشمل الإدارة الذكية للمياه والزراعة وحماية السواحل والموارد الطبيعية المختلفة.
ويختتم الشوشان حديثه لـ«العين الإخبارية» قائلًا إن «العدالة التكنولوجية ليست ترفًا، بل شرطًا أساسيًا للبقاء والاستدامة»، مضيفًا أن تكاتف الحكومات المحلية والقطاع الخاص والمجتمع المدني يمكنه تحويل المنطقة العربية من منطقة متأثرة بتغير المناخ إلى رائدة في التكيف الذكي والمستدام.