العمل المناخي.. نكسة على أجندة الأولويات في الدول المتقدمة
منذ أن انتبه العالم للتغيرات المناخية، وانعقدت مؤتمرات عالمية لمناقشة القضية ووضع حدود لها، كانت أصابع الاتهام الأولى تتجه إلى الدول الصناعية الكبرى المتقدمة، والتي تحملت المسؤولية التاريخية لانبعاثات الغازات الدفيئة المتسببة في الاحتباس الحراري.
وفي عام 1994، دخلت "اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ" (UNFCCC) حيز التنفيذ، والتي تقوم على مبادئ أساسية، وقد أجمعت جميع الأطراف الموقعة على الاتفاقية على أنّ الدول المتقدمة هي المسؤولة تاريخيًا عن تلك الانبعاثات في الاتفاقية، ما يجعل هذا المبدأ أحد أهم المبادئ في بنود الاتفاقية التي تُحمل الدول المتقدمة مسؤولية مشاركة ودعم الدول النامية والأقل نموًا نحو الانتقال العادل وتفادي آثار التغيرات المناخية وحل المشكلات المترتبة عليها في الدول التي لا تستطيع مواجهة تلك الأزمة بمفردها؛ بسبب إمكاناتها المحدودة.
وعلى الرغم من أنّ أزمة المناخ قد لاقت اهتمامًا واسعًا حول العالم، وما زالت تلقى، إلا أنّ السؤال المطروح هو "هل يتراجع التغير المناخي في أولويات الدول المتقدمة؟"؛ فوجود تلك الدول كأطراف في الاتفاقية مهم للغاية لقدرتها على دعم الدول التي تفتقر للتكنولوجيا والقدرات اللازمة لمواجهة أزمة المناخ.
فبينما استطاعت الدول التي تُصنف اليوم على أنها دول متقدمة الوصول إلى القمر، ما زالت هناك دول أخرى تكافح من أجل البقاء وإشباع شعوبها الذين يقعون بين مخالب الفقر والجوع ويصارعون لمواكبة النمو الاقتصادي العالمي.
مع ذلك، تحدث تقلبات سياسية مستمرة حول العالم، وتدخل الدول المتقدمة طرفًا فيها، ما يستنزف مواردها، لكن هل تتغير أولوياتها؟
1- خروج الولايات المتحدة من اتفاق باريس
لم يمزح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما أعلن نيته عن انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاق باريس في يناير/كانون الثاني من العام 2025، وبالفعل صار دخل القرار حيز التنفيذ بعدها بعام في يناير/كانون الثاني 2026، كما لم تُرسل الولايات المتحدة مندوبين رسميين لتمثيلها في مؤتمر الأطراف المعني بتغير المناخ في دورته الثلاثين (COP30)، والذي استضافته مدينة بيليم في البرازيل في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
وعلى الرغم من مجهود رئاسة المؤتمر لتبني الأطراف لاتفاقات قوية توجه مسار العمل المناخي نحو التنفيذ الفعّال، إلا أنّ النتائج جاءت محبطة، ربما لم يكن حضور الولايات المتحدة هو السبب الرئيسي لذلك، لكنه من ضمن الأسباب؛ فكيف لدولة مسؤولة تاريخيًا عن الانبعاثات الدفيئة لا تجلس على طاولة المفاوضات لمساعدة الدول الأخرى التي تواجه أزمة المناخ، وهناك دول جزرية مهددة بالزوال التام.
2- خلافات جيوسياسية
خلال السنوات القليلة الماضية، تصاعدت التوترات الجيوسياسية؛ خاصة مع الحرب الروسية-الأوكرانية، وحرب غزة، والتوترات بين الصين وتايوان، وخلافات الهند وباكستان، فضلًا عن الحروب الأهلية مثل في السودان والصومال وغيرهم.
كل تلك الصراعات والخلافات بين وداخل الدول، كفيلة بتغيير أولويات الدول؛ فبدلًا من تمويل المشاريع البيئية والمناخية، يتم توجيه التمويل لمكافحة الحروب وحماية الحدود.
3- خلافات بين الدول المتقدمة
تجلت الخلافات بين الدول المتقدمة نفسها خلال الفترات القليلة الماضية، وظهر ذلك بوضوح في منتدى دافوس للاقتصاد الذي انعقد في يناير/كانون الثاني 2026 في مدينة دافوس في سويسرا.
هناك حيث دارت نقاشات عديدة حول النمو الاقتصادي العالمي والمخاطر المحدقة به.
وفي هذا الصدد، قال هشام عيسى، المنسق المصري السابق لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) لـ"العين الإخبارية" إنّ "الدول المتقدمة تمر حاليًا بمنحنى خطير في العلاقات بينها، وهذا يجعل العمل المناخي أولوية متراجعة حتى يحلّون خلافاتهم معًا".
4- تباطؤ النمو الاقتصادي
تجاوزت ديون الولايات المتحدة الأمريكية 38 تريليون دولار، والتي تُعد أحد بل أهم الدول المتقدمة المسؤولة تاريخيًا عن الانبعاثات الدفيئة، وتتأرجح قيمة الدولار، ليست الولايات المتحدة فقط؛ فهناك دول أخرى متقدمة تعاني من ارتفاع الدين العام، مثل: فرنسا، وإيطاليا، والمملكة المتحدة وإسبانيا، وحتى اليابان.
كل هذا يؤثر سلبًا على معدلات نمو الاقتصاد العالمي، ومع تصاعد التوترات بين الدول، يزداد الأمر سوءًا.
وقال عيسى: "كيف يمكننا في ظل تلك التوترات أن نضع التغير المناخي ضمن معادلة النمو الاقتصادي بصفة عامة؟". ففي الوقت الذي تُكافح فيه الدول المتقدمة للحفاظ على وتيرة نمو الاقتصاد وتوّجه قدراتها لتعزيز الصمود الاقتصادي في ظل المعرقلات الجيوسياسية الأخرى، تزداد تأثيرات آثار التغيرات المناخية على المجتمعات الضعيفة.
على الرغم من ذلك، إلا أنّ الخبر الجيد أنّ الأولويات تتغير باستمرار، وإن لم يكن العمل المناخي هو الأولوية الأولى اليوم على أجندة الدول المتقدمة؛ فربما غدًا أو بعد غد، لكن المشكلة هل سيكون أولوية قصوى بسبب تفاقم آثاره؟ أم لهدوء مشكلات الدول المتقدمة؟
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQg جزيرة ام اند امز