أزمة المناخ تطرق الأبواب.. وغياب الثقافة البيئية يجعل المنطقة العربية أقل استعدادا
تتغير الطبيعة ببطء، لكن تدخل الإنسان عجّل وتيرة التحولات المناخية، وسط هذه المتغيرات، تبرز أهمية وعي القارئ العربي بقضايا البيئة والاستدامة لفهم ما يعيشه العالم اليوم.
يقول المثل اللاتيني القديم (Natura non facit saltus)، أي «الطبيعة لا تقفز»، ويعني أن للطبيعة قوانين ثابتة، وأن التغيرات التي تطرأ عليها تحدث بصورة تدريجية ومستمرة، لا عبر قفزات مفاجئة.
وهذا هو حال الطبيعة بوجه عام؛ فكل تغير يحتاج إلى وقت. وإذا تأملنا الإنسان نفسه، نجده يمر بمراحل زمنية طويلة لينتقل من الطفولة إلى الشباب، ثم إلى الكهولة. هكذا تعمل الطبيعة.
لكن غير الطبيعي هو تسارع هذه التغيرات، كما حدث مع التغيرات المناخية، حيث ارتفع متوسط درجات الحرارة العالمية بشكل ملحوظ منذ انطلاق الثورة الصناعية الأولى في القرن الثامن عشر. وقد تنبّه الكتّاب والأدباء والعلماء إلى هذه التحولات البيئية، لتصبح قضايا البيئة والمناخ موضوعًا رئيسيًا في الأدبيات العلمية.
لكن يظل السؤال مطروحًا: ما وضع المنطقة العربية في ما يخص القراءة والاهتمام بقضايا البيئة والمناخ والاستدامة؟ وهل ما هو متاح من أدبيات وكتب علمية كافٍ؟
ربما يكون الوعي البيئي في الشارع العربي قد ارتفع نسبيًا، خاصة مع ظهور آثار التغير المناخي بوضوح، واستضافة المنطقة العربية نحو خمس دورات من مؤتمرات الأطراف المعنية بتغير المناخ، هي: COP7 (مراكش، المغرب، 2001)، COP18 (الدوحة، قطر، 2012)، COP22 (مراكش، المغرب، 2016)، COP27 (شرم الشيخ، مصر، 2022)، COP28 (دبي، الإمارات العربية المتحدة، 2023).
ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة واضحة بين حجم المشكلات البيئية في المنطقة العربية ومستوى الاهتمام بالقراءة في مجالات البيئة والمناخ.
في هذا السياق، تواصلت "العين الإخبارية" مع مصطفى العدوي، الكاتب والمترجم العلمي المصري، الذي تحدث خلال الحوار عن أهمية القراءة البيئية للقارئ العربي، ومدى حضور قضايا المناخ والاستدامة في الكتب والروايات العربية، كما رشّح كتابين لفهم هذه القضايا بعمق أكبر.
لماذا يحتاج القارئ العربي إلى القراءة في مجالات البيئة والاستدامة اليوم؟
لنبدأ من الجذور. منذ الثورة الصناعية الأولى، أدى النشاط البشري المكثف والسعي المحموم لتأمين الطاقة من أجل الصناعة إلى استنزاف موارد الأرض. فقد اعتمد الإنسان قديمًا على الحطب للطهي والتدفئة، ومع القرن الثامن عشر واكتشاف طاقة البخار، لجأ إلى أنواع جديدة من الوقود.
الفحم، في استخدامه التقليدي، خلّف ملوثات هائلة، حتى اشتهرت العاصمة البريطانية بضبابها، ليس بسبب العوامل الجوية وحدها، بل نتيجة احتراق الفحم. ومع تطور الآلات ووسائل النقل والصناعات الكيميائية واللدائن، ازداد الاعتماد على النفط، وأصبحت الطاقة تُقاس بلغة واحدة تقريبًا: كم يبلغ سعر برميل النفط اليوم؟
ومع تغير المناخ، الذي انعكس بوضوح على أنماط الطقس حول العالم، خاصة خلال القرن الأخير، أصبح من حق القارئ العربي أن يفهم المخاطر التي تحيط به، وأن يدرك اللغة التي يتحدث بها العالم.
من وجهة نظري، تمثل الطاقة الجديدة والمتجددة اليوم متنفسًا حقيقيًا للعالم، وأملًا في أن تستعيد الأرض شيئًا من توازنها، بعيدًا عن النشاط البشري الجائر الذي ساد خلال القرون الثلاثة الماضية.
هل الأعمال الموجهة للقارئ العربي حول البيئة والمناخ جذابة؟
أعتقد أن الطرح الأدبي الجاذب، خصوصًا عبر الرواية، لا يزال محدودًا، وربما لم يلتفت كثير من الكتّاب العرب بعد إلى هذا السياق بشكل كافٍ.
أغلب الكتب البيئية مترجمة.. هل المكتبة العربية غير مشبعة بعد؟
أوافق على ذلك، وأرى أن السبب يعود إلى ضعف التقاط الأثر المباشر لتغير المناخ في وعي الكتّاب العرب خلال العقدين الماضيين.
المنطقة العربية تعاني أزمات متداخلة، ما يُزاحم القضية المناخية على سلم الأولويات، رغم أن جزءًا كبيرًا من هذه الأزمات يمكن تفسيره من منظور مناخي يرتبط بالاستدامة والاقتصاد وجودة الحياة.
هذا الواقع يحصر النقاش البيئي في نطاق ضيق من المتخصصين، ويُبعده عن القارئ العام.
بأي لغة يجب أن يكتب كُتّاب البيئة؟
السؤال الأهم ليس: هل نستخدم لغة غاضبة أم ساخرة؟ بل: إلى من نوجّه هذا الخطاب؟
توجيه اللوم إلى المستهلك وحده خطأ شائع. مثال ذلك حملات «غسل الضمير البيئي» التي ألقت العبء على الأفراد، بينما تهربت الشركات الكبرى من مسؤولياتها الحقيقية في البحث والتطوير.
المسؤولية الأكبر تقع على الفئات الأكثر ثراءً ونفوذًا، خصوصًا في الدول الصناعية الكبرى، ويجب ألا تتحول البيئة إلى أداة سياسية. من حق القارئ أن يفهم، لكن على الكاتب أن يحدد بدقة: من المسؤول الحقيقي؟
ما هي الكتب التي ترشحها للقراءة؟
أرشح بقوة كتاب «أنقذوا الأرض» لكاثرين هايهو، ترجمة د. أحمد حسن بلح، وكتاب «الانقراض السادس: تاريخ لا طبيعي» لإليزابيث كولبرت، ترجمة أحمد عبد الله السماحي وفتح الله الشيخ.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuODQg
جزيرة ام اند امز