سياسة

ماكرون ورئاسة فرنسا.. 5 أزمات في الأفق

الثلاثاء 2017.5.9 12:09 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 692قراءة
  • 0 تعليق
إيمانويل ماكرون

الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون

صدقت الترجيحات في فرنسا، وما كان استطلاعا بالأمس، صار حقيقة مؤكدة اليوم، إيمانويل ماكرون الرئيس الثامن لـ"الجمهورية الخامسة" في فرنسا، بـ66.1% مقابل 33.9% لمنافسته مارين لوبان مرشحة أقصى اليمين.

وبعد الفوز بأقل من 24 ساعة، بدأت الألغام السياسية في الانفجار حول الرئيس الشاب؛ حيث اندلعت في العاصمة الفرنسية، اشتباكات بين الشرطة ومحتجين على انتخاب إيمانويل ماكرون، في أثناء مظاهرة مناهضة لقانون العمل الجديد.

خلال حملته الانتخابية، اتسمت تصريحات ماكرون المرشح بالتصريحات الأكثر اعتدلًا بشأن بقاء فرنسا بالاتحاد الأوروبي، والتعامل مع تحديات الإرهاب، بالإضافة لموقفه من المهاجرين العرب والمسلمين بفرنسا، مقارنة بمواقف مارين لوبان مرشحة الجبهة الوطنية، ولكن يظل السؤال قائمًا.. هل يحتفظ ماكرون الرئيس بهذا الهدوء والاعتدال في التعامل مع أوروبا والعرب وملف مواجهة الإرهاب دون المساس بالجاليات العربية والمسلمة في فرنسا بعد فوزه بمنصب الرئيس الثامن في الجمهورية الفرنسية الخامسة أم أن الأمر سيختلف؟


1- أزمة سياسية

إذا فشل ماكرون وحركته الناشئة "إلى الأمام" في الحصول على أغلبية برلمانية في الانتخابات المقرر عقدها الشهر المقبل، فربما يضطر لتبديل اختياره برئيس وزراء من حزب معارض، وستكون تلك مهمة شاقة، لأنه لا يمتلك أي تمثيل في البرلمان، فالرئيس الجديد يبدأ من الصفر، وعلى الرغم من تعهده بوضع مرشحين في جميع الدوائر البرلمانية البالغ عددها 577 دائرة، فلا توجد أية ضمانات أنه سيأتي في المقدمة.

قال حسام ربيع، الباحث في الشؤون الفرنسية، والكاتب بمجلة لوبوا، لـ"العين"، أن ماكرون لا يوجد أمامه حل سوى الحصول على 289 مقعدا في البرلمان لتشكيل الأغلبية، حيث طالب ماكرون الفرنسيين في خطاب النصر بالاحتشاد خلفه في المرحلة القادمة والتي تعتبر أصعب من مرحلة الانتخابات.

وأضاف ربيع، أنه في حالة فشل ماكرون في الحصول على الأغلبية البرلمانية، سوف يفشل في تمرير القوانين، ومن ثم ستعود فرنسا لما حدث عام 1986 في عهد الرئيس فرانسوا ميتيران، عندما فشل في الحصول على الأغلبية البرلمانية ما أدى إلى دخول البلاد في جمود سياسي، قام على أثره الفرنسيون بعمل ما يشبه "التعايش السياسي" بحيث يشارك الجمهوريون المسيطرون على البرلمان في الحكم مع الرئيس.

أما في حالة فشل ماكرون، فإن المعايشة السياسية لن تصلح، لأنه خارج الأحزاب الثلاثة الرئيسية في البلاد، وإذا نجح اليمين في الحصول على الأغلبية، فسوف تصل فرنسا إلى طريق مسدود وجمود سياسي كامل.


2- الاقتصاد

تعاني فرنسا، ثاني اقتصاد في منطقة اليورو، من مشكلة البطالة، التي ارتفعت فوق 10% مقارنة مع ألمانيا وبريطانيا، فضلا عن وجود نحو 550 ألف عاطل عن العمل، وهو رقم يفوق عدد العاطلين عند انتخاب فرانسوا هولاند في الانتخابات الرئاسية لعام 2012.

يضيف حسام ربيع، أن أكثر المشكلات التي تعاني منها فرنسا في الوقت الحالي هي البطالة، والتي وصلت إلى 9.6% حتى نهاية العام الماضي، وعلى الرغم من أن ماكرون أعلن أنه سيحذف أكثر من 120 آلف وظيفة من القطاع العام، إلا أن رهانه قائم على تشجيع القطاع الخاص لاستيعاب هذه البطالة، وبالنسبة له، فإن الحل يكمن في تشجيع توافريه الفرص، وذلك من خلال تشجيع الشركات على الانتاج والعمل بشكل أفضل مما يوفر فرص عمل أكثر للمواطنين. 

بخلاف أزمة العجز في الموازنة التي تعتبر إحدى المشكلات الكبرى التي خلفتها أزمة 2008 العالمية، يتبنى ماكرون استراتيجية قائمة على 3 أفكار رئيسية؛ أولها، الإبقاء على التزامات فرنسا تجاه الاتحاد الأوروبي بالعمل على تخفيض العجز حتى 3% وزيادة النمو السنوي ليصل إلى 1.8% حتى عام 2022، ثاني هذه الأفكار، هو تخفيض الانفاقات العامة في فرنسا بحيث تتناسب مع متوسط الانفاق في الدول الأوروبية، مع إعادة توجيه الانفاقات العامة من أجل خلق تحول لنموذج نمو جديد، والفكرة الثالثة هو خلق هذا النموذج الاقتصادي الجديد بوضع خطة استثمارات عامة بقيمة 50 ملياري يورو خلال 5 سنوات، والتي تستهدف في الأساس تدريب الشباب على العمل.

وأكد ربيع أن ماكرون يسعى إلى زيادة "ليبرالية" الاقتصاد، عبر رفع وإلغاء بعض الأعباء على الشركات وتفكيك مركزية الحياة الاقتصادية على مستوى الشركات والاقتصاد من أجل تشجيع الإنتاجية والتنافسية، بل إعطاء القطاع الخاص والعام مرونة أكثر، مع العمل في الوقت نفسه على الحفاظ بشكل كبير على مصالح العمال ومكتسباتهم.


3- الانقسام

رغم خسارة حزب "الجبهة الوطنية" اليميني المتطرف في الانتخابات الرئاسية بفرنسا، إلا أنه نجح في توسيع قاعدة ناخبيه بشكل غير مسبوق؛ حيث بلغ عدد الذين صوتوا لصالحه نحو 11 مليون ناخب، وهو ما يجعله القوة السياسية المعارضة الأولى في البلاد، معطيات جديدة قد تجعله يفوز بأكبر عدد من المقاعد البرلمانية في الانتخابات التشريعية التي ستجري في 11 يونيو المقبل.

يعلم ماكرون المسؤولية الملقاة على عاتقه بهذا الخصوص، واتضح ذلك في كلمته الأولى التي ألقاها بمناسبة فوزه، حيث اعتبر أنه "في انتظاره مهمة كبيرة"، لا تتعلق فقط بما هو اقتصادي، وإنما بـ"الانقسامات" الداخلية التي تسود المجتمع الفرنسي جراء التقدم التاريخي لليمين المتطرف. 

وأكد ماكرون أمام أنصاره في ساحة متحف اللوفر بباريس أنه سيعمل جاهدا حتى لا يصوت الفرنسيون مرة أخرى لحساب اليمين المتطرف، مشيرا بذلك للورشات الاقتصادية الكبرى التي تنتظره بهدف تحريك سوق الشغل، لما للأزمة الاقتصادية من دور في دفع العديد من الناخبين الفرنسيين لتأييد البرنامج السياسي للحركات المتطرفة. 

أما الطبقة السياسية التقليدية الفرنسية، فتعلم خطورة الوضع، وتحاول أن تطرح تصورات بإمكانها أن توقف زحف اليمين المتطرف على أصوات الناخبين في البرلمان، علما أنه ظهرت مخاوف كثيرة خلال الحملة الانتخابية من وصول مارين لوبان إلى قصر الإليزيه. 

واستطاع اليمين المتطرف في السنوات الأخيرة أن يتغلغل في أوساط الطبقة العاملة، وهي كتلة ناخبة كانت تصوت تقليديا للأحزاب المعتدلة لا سيما المحسوبة على صف اليسار، ونجح في استغلال الأزمة الاقتصادية لحسابه وكسب الحزب هؤلاء الناخبين، وإن فشل الرئيس في الوفاء بوعوده، سيفتح المجال أمام الجبهة الوطنية للتحدي بشكل أقوى لرئاسة العام 2022. 


4- الإرهاب

تحد كبير ينتظر ماكرون مرشح حركة "إلي الإمام" الوسطية، يزيد من صعوبة المهمة، خاصة مع تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية على أوروبا خاصة والعالم بشكل عام، فمنذ يناير/كانون الثاني 2015 وحتى عام أبريل/نيسان 2017 شهدت فرنسا 7 هجمات إرهابية متتالية، زادت من مخاوف الفرنسيين، وحول تعامل ماكرون مع هذا الملف، أعتبر اللاوندي أن سياسة ماكرون ستتم بالمرونة في التعاون في هذا الأمر مع جميع الدول، أي اعتماده لشعار " مصلحة فرنسا أولًا" سيزيد من تحالفاته مع الأطراف السياسية داخل فرنسا، والتحالف الدولية خارج البلاد.

الدكتور سعيد اللاوندي، خبير العلاقات الدولية، أوضح، لبوابة "العين" الإخبارية، أن ماكرون المرشح أكد خلال حملته الانتخابية، إمكانية الانضمام لجبهة عالمية لمكافحة الإرهاب تحت مظلة الأمم المتحدة، بهدف نشر الأمن والأمان بفرنسا، وتدل هذه التصريحات على إدراك ماكرون الرئيس لخطورة الإرهاب على أمن واستقرار بلاده، وفقًا لتفسير اللاوندي لسياسة ماكرون المتوقعة من الإرهاب.

وأضاف خبير العلاقات الدولية، أن سياسة الرئيس الفرنسي الجديد ستركز على محاربة الإرهاب في دخل وخارج فرنسا، بدعم قوات الأمن الفرنسي بقوات خاصة أكثر تأمينًا لمداخل وحدود المدن الفرنسية، وعقد تحالفات والتعاون مع حلف الأطلس ومع القوى العظمي في العالم لمكافحة التطرف الفكري وما يتبعه من عمليات إرهابية مهددة حياة الفرنسيين.

5- المسلمون

طوال فترة إدارته لحقيبة الاقتصاد الفرنسي، دعم ماكرون وجود المسلمين في فرنسا، وفي أكتوبر/تشرين الأول عام 2016، أثنى وزير الاقتصاد الفرنسي ماكرون على دور المسلمين الداعم للاقتصاد، مؤكدًا أن البعض أخطأ في استهدافه لمسلمي فرنسا بشكل غير عادل، واستشهد اللاوندي بمواقف ماكرون السابقة مع سياسته المتوقعة الداعمة لوجود المسلمين بفرنسا، منوهًا أن للمسلمين المهاجرين العرب لهما دور كبير في تعزيز أركان الاقتصاد الفرنسي.

وطوال جولته الانتخابية، ابتعد ماكرون المرشح تمامًا عن الزج باسم الدين في حملته، ولم يربط بين الإرهاب والإسلام كما فعلت لوبان في حملتها، وفي الوقت نفسه لم يستغل هذه الثغرة في برنامج لوبان لجذب أصوات أكثر من الناخبين المسلمين وذات أصول عربية، وفي الوقت نفسه جمع ماكرون أصوات عديدة من المسلمين والعرب، خاصة بعد دعوة رئيس الجالية المصرية صالح فرهود الناخبين للتصويت لصالح ماكرون، كما دعي إمام المسجد الكبير بباريس الناخبين للتصويت لصالحه، حيث يشكل المسلمون 5% من إجمالي عدد الناخبين الفرنسيين.

وأكد اللاوندي أن سياسة الرئيس الفرنسي الجديد تتجه إلى دعم اندماج المسلمين في المجتمع الفرنسي، والتأكيد على أنهم جزء من فرنسا ولا يوجد مساحة للعداوة بين أبناء المجتمع الفرنسي، مشيرًا أن مرحلة التعامل معهم خلال المرحلة المقبل ستتسم بالأريحية الشديدة.

كما شدد على حرص ماكرون لعدم الزج باسم العرب في ملف الإرهاب، وعدم غلق منافذ الهجرة الشرعية، فضلًا عن تعهداته للنظر في جميع طلباء اللجوء المقدمة خلال 6 أشهر من توليه منصب الرئيس بشكل رسمي.

تعليقات