خريطة «الفوضى» بمالي.. «تحالف خطر» يصعد عسكريا ويركل كرة السياسة (خاص)
يرى خبراء أن التطورات في مالي لا تعكس فقط تصعيدًا أمنيًا، بل تكشف عن إعادة تشكل خريطة النفوذ بين الجماعات الإرهابية والانفصالية.
الخبراء يقولون إن الحصار المفروض على العاصمة باماكو والدعوات إلى تشكيل "جبهة موحدة"، يمثلان تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع من مواجهات عسكرية متفرقة إلى محاولة فرض واقع سياسي وجغرافي جديد.
إذ قال أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة باماكو، دريسي دياكاتيه، لـ"العين الإخبارية" إن خريطة تمركز الجماعات الإرهابية والانفصالية في مالي أصبحت أكثر وضوحًا خلال الأشهر الأخيرة، حيث تتركز جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" في مناطق الوسط (موبتي وسيغو) وتمتد نحو الشمال، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية المعقدة وضعف البنية الأمنية".
وأوضح أن من أبرز نقاط قوة هذه الجماعة قدرتها على التحرك السريع، واعتمادها على حرب العصابات، إضافة إلى شبكاتها المحلية التي توفر لها الدعم اللوجستي.
في المقابل، تعاني من نقاط ضعف، أبرزها اعتمادها على التحالفات المؤقتة، وافتقارها لسيطرة إدارية مستقرة على الأرض، وفق دياكاتيه.
إعادة رسم موازين القوى؟
أستاذ الاقتصاد السياسي، قال أيضا إن الجماعة تسعى حاليًا إلى الانتقال من مجرد تنظيم مسلح إلى فاعل سياسي يفرض شروطه، خاصة عبر الضغط على العاصمة وعزلها اقتصاديًا، ما قد يؤدي إلى شلل جزئي في مؤسسات الدولة.
وبصفة عامة، تشمل الجماعات التي تهدد برفض الفوضى في مالي، جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، وهو تنظيم إرهابي مرتبط بـ"القاعدة"، يعتمد على تكتيكات حرب العصابات، وينشط في وسط وشمال مالي.
وكذلك، جبهة تحرير أزواد، وهي حركة انفصالية ذات غالبية من الطوارق، تنشط في شمال مالي، وتطالب بحكم ذاتي أو استقلال لإقليم أزواد، وتتمتع بخبرة طويلة في القتال الصحراوي.
في هذا السياق، أكد الباحث في شؤون الأمن بمنطقة الساحل في مركز دراسات الأمن بالساحل الأفريقي، موسي سيديبيه، لـ"العين الإخبارية"، إن جبهة تحرير الأزواد تتركز بشكل رئيسي في شمال مالي، خاصة في مناطق كيدال وما حولها، وتستفيد من خبرتها الطويلة في القتال الصحراوي ومعرفتها الدقيقة بالتضاريس.
وأشار إلى أن من نقاط قوة الجبهة امتلاكها حاضنة اجتماعية داخل بعض المكونات الطوارقية، إضافة إلى خبرتها في إدارة المناطق النائية.
لكنه أوضح أن الجبهة تعاني من انقسامات داخلية، وتباين في الأهداف بين الاستقلال الذاتي والتكتيكات العسكرية، ما يحد من قدرتها على تحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد.
وأضاف أن التحالف الحالي بين الجماعات الإرهابية والانفصالية هو تحالف مصلحي مؤقت ضد ما يقولون إنه "عدو مشترك"، محذرًا من أن هذا التقارب قد يعيد رسم موازين القوى في الشمال، خاصة مع ضعف انتشار القوات الحكومية.
"تحالف خطر"
وتشهد مالي تصعيدًا أمنيًا خطيرًا، بعدما دعت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم "القاعدة"، إلى تشكيل "جبهة موحدة" ضد المجلس العسكري الحاكم، بالتزامن مع فرض حصار بري على العاصمة باماكو.
وأعلنت الجماعة المسلحة، الخميس، دعوتها إلى توحيد مختلف مكونات المجتمع المالي، بما يشمل الأحزاب السياسية والقوى العسكرية والقيادات الدينية والتقليدية، من أجل “إنهاء الحكم العسكري” والدخول في مرحلة انتقالية جديدة، بحسب شبكة "فرانس.24" الفرنسية.
بالتوازي مع هذه الدعوات، بدأت الجماعة فرض حصار بري على العاصمة باماكو، ما يهدد بتعطيل الحركة التجارية والاقتصادية، رغم استمرار الرحلات الجوية نحو الدول المجاورة.
سيديبيه قال في هذا السياق، إن الدعوة إلى جبهة موحدة تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز الطابع العسكري، إذ "تسعى الجماعات المسلحة إلى استقطاب أطراف مدنية وعسكرية، وهو ما قد يعقّد المشهد ويطيل أمد الأزمة".
وحذر من أن تزامن ذلك مع ضعف السيطرة الحكومية على بعض المناطق الاستراتيجية قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى في شمال البلاد.
في المقابل، أعلن تحالف اتحاد الساحل، الذي يضم النيجر وبوركينا فاسو ومالي، تنفيذ عمليات جوية مكثفة شمال البلاد، ردًا على الهجمات المنسقة للجماعات المسلحة.