بريق «التبر» ورماد البارود في مالي.. «أرض الذهب» على صفيح ساخن (خاص)
لا شيء يحكم الحياة في مالي بجميع جوانبها سوى «التبر» أو الذهب الخام، هذا الكنز الذي لطالما كان -ولا يزال- لعنة البلد المضطرب.
فكلما ارتفع صوت الرصاص في جنبات هذا البلد، يكون السبب الرئيسي هو الصراع على هذا الكنز، ضمن حسابات تتقاطع عندها أطماع الإرهابيين والانفصاليين.
ويعتبر خبراء سياسيون متخصصون في الساحل الأفريقي، أن العاصمة المالية باماكو تواجه ضغوطا غير مسبوقة، مع سيطرة تنظيم إرهابي موال للقاعدة وحركات انفصالية على مواقع استراتيجية، ما يعكس تصاعد الصراع حول النفوذ والثروات الطبيعية التي تجعل من مالي هدفاً للقوى الإقليمية والدولية.
وتحتضن مالي أكبر احتياطيات للذهب في غرب أفريقيا، إضافة إلى حقول النفط والغاز واحتياطيات الليثيوم والفوسفات، وهي ثروات تجعلها دولة استراتيجية ليس فقط لجيرانها، بل أيضاً للاقتصادات الكبرى الباحثة عن الموارد.
والسبت الماضي، شنت «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» الموالية للقاعدة، و«جبهة تحرير أزواد» الانفصالية هجمات متزامنة استهدفت العديد من المدن في الشمال، إضافة إلى العاصمة باماكو ومدينة كاتي القريبة منها، والتي تعتبر معقل المجلس العسكري الحاكم.
وفي غضون ذلك، سيطر المسلحون على مدينة كيدال الواقعة شمالا، فيما يواصلون تقدمهم وفق تقارير إعلامية، بينما ظهر الرئيس الانتقالي في خطاب عبر التلفزيون الرسمي مطمئنا بأن "الوضع تحت السيطرة".
وصعد الإرهابيون والانفصاليون من لهجتهم، وأعلنوا فرض حصار كامل على العاصمة باماكو، مؤكدين أنه «ابتداءً من الأربعاء سيتم إغلاق المدينة، ولن يسمح لأي شخص بالدخول إليها حتى إشعار آخر».
تحالف
في تعقيبه، أكد الدكتور إسماعيل زنغو برزي، مدير «مختبر البحث حول العالم العربي والإسلامي» بجامعة باماكو أن «الشعب المالي كله وراء قوات الجيش، وأنه يمثل الأساس لهذه القوة، وهو أبي ويسعى لمساندة القوات وتقويتها».
وقال برزي في حديث لـ«العين الإخبارية»: «هناك تحالف علني بين العناصر المسلحة الإرهابية والحركات الانفصالية، وهو تحالف يستهدف القضاء على البلاد، وقد تم استقدام المرتزقة من كثير من الدول المجاورة وغيرها»، دون تفاصيل أكثر حول الجزئية الأخيرة.
وأشار الخبير إلى أن «عدد هؤلاء المرتزقة يقدر بالآلاف للقضاء على البلاد، فكان الهجوم متزامنا جرى في نفس الوقت بالعديد من المدن والعواصم الإقليمية، من ذلك غاو وكيدال في الشمال، وفي الوسط سفاري وموبتي وكذلك في كونا، وأيضا في العاصمة باماكو».
ولفت إلى أن كيدال تحت سيطرة هذه الجماعة المتطرفة التي استحضرت المزيد من المرتزقة لتنفيذ هجومها، حسب المعلومات المتاحة.
حجم الدمار
اعتبر برزي أن الهجوم والدمار كبيران، موضحاً أنه تم استهداف مواطنين مدنيين ماليين وثكنات ومباني وأسفر ذلك عن مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا.
ويضاف إلى ذلك ما تعرض له السكان من خوف حيال هذه الأحداث.
وقُتل كامارا عن عمر 47 عاما السبت في كاتي الواقعة على مسافة نحو 15 كيلومترا من باماكو وتُعدّ معقلا للمجلس العسكري، بواسطة "سيارة مفخخة يقودها انتحاري" استهدفت مقرّ إقامته، بحسب ما أعلنت الحكومة المالية.
نقاط القوة والضعف
وأشار إسماعيل زنغو برزي إلى أن "الشعب المالي كله وراء قوات الجيش، والشعب يمثل الأساس لهذه القوة، والشعب المالي أبي ويسعى لمساندته وتقويته وهذا ما جرى يوم السبت حين تحول جميع سكان باماكو إلى عسكريين؛ فقد جابوا أحياء العاصمة وواجهوا المرتزقة في كل أنحاء المدينة وهو موثق عبر وسائل التواصل الاجتماعي».
وأوضح أنه «في ما يتعلق بقوة الجماعات المتطرفة فتكمن في أنها تعاملت مع بعض دول الجوار والتي من المفترض أن تكون شقيقة لمالي منذ قرون، بل كانت مالي سندا لها قبل عقود».
لماذا يستهدفون مالي؟
يرى الخبير أن مالي «تعد واحدة من أهم دول غرب أفريقيا، ليس فقط بسبب مساحتها الشاسعة، بل أيضًا لثقلها التاريخي كمركز إشعاع حضاري وإسلامي، وموقعها الجيوسياسي والاقتصادي الذي يجعلها قلب منطقة الساحل. وهي دولة مستهدفة من الغرب وذيوله في أفريقيا والعالم».
سيناريوهات
أما في ما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية للصراع، يقول مدير مختبر البحث حول العالم العربي والاسلامي إن «ما يجب أن أؤكد عليه هو أن الشعب المالي جبار، بنى امبراطوريات وأقام مدنا وأسس دولا، إذن يجعله قادرا على استرجاع نفسه وتجد حلا لهذا الإشكال».
وأضاف أن "هذا الخوف الذي تعرض له الشعب في باماكو وعلى مستوى البلاد عموما سيزول لأن هذا الشعب مستعد لاسترجاع كيدال في أي لحظة، وهناك بوادر أن قوات مجموعة الساحل الثلاث بدأت بمهمة استرجاع المدينة وهذا ما سيتحقق قريبا".
ويشير الخبير بحديثه إلى القوة المشتركة التي أطلقتها دول الساحل الثلاث مالي وبوركينا فاسو والنيجر، في ديسمبر/ كانون أول الماضي، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار.
لعنة الذهب
يعتبر الباحث البوركيني المتخصص في أمن الساحل الأفريقي، محمد الأمين سوادغو، أن مالي تشكل هدفًا استراتيجيًا بسبب موقعها ومساحتها الواسعة التي تتجاوز 1.2 مليون كيلومتر مربع، أكبر من فرنسا وألمانيا معًا، بينما يبلغ عدد سكانها نحو 23 مليون نسمة فقط.
ويضيف سوادغو، في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن الأراضي المالية ليست مجرد مساحة شاسعة، بل تحتوي على موارد طبيعية هائلة تشمل الذهب والنفط والغاز والليثيوم والفوسفات، إضافة إلى أراضٍ زراعية واسعة، ما يجعلها نقطة جذب للاستثمارات الأجنبية.
وأوضح سوادغو، أن مالي هي أكبر منتج للذهب في غرب أفريقيا، وثالث أكبر منتج على مستوى القارة، كما تمتلك احتياطيات مهمة من الليثيوم الضروري لصناعات الطاقة المتجددة، وهي من أكبر منتجي القطن في أفريقيا.
وأشار إلى أن هذه الثروات تجعل مالي مطمعًا للقوى الكبرى، مشددًا على أن استغلال هذه الموارد في ظل قوانين تمنح الدولة حصة أكبر قد يحوّل مالي إلى واحدة من أغنى دول أفريقيا.
وأكد الباحث أن التنمية الاقتصادية المستندة إلى الثروات الطبيعية هي الحل الأمثل لإنهاء النزاعات في شمال البلاد، من خلال خلق فرص عمل وتحقيق التنمية المستدامة.
كما حذر من أن استمرار الصراعات يتيح للقوى الخارجية السيطرة على الموارد، ويحول مالي إلى ساحة صراع مستمرة تهدر ثرواتها بينما يسعى الغرب إلى استغلالها، معتبراً أن الاستقرار السياسي هو المفتاح لتحويل هذه الثروات إلى مستقبل أفضل للشعب المالي.