تحالف الإرهاب والتمرد في مالي.. لماذا تجدد «زواج المصلحة»؟
متنافران إيديولوجيا لكن ذلك لم يمنع تقاربهما، ليولد تحالف هجين قد لا يصمد لأكثر من الحيز الزمني لتحقيق الأهداف المرحلية لكل طرف.
وتشكّل الهجمات غير المسبوقة في مالي على يد إرهابيين مرتبطين بتنظيم القاعدة وحلفائهم الطوارق في "جبهة تحرير أزواد"، المحاولة الأحدث في سياق مساعي هذين الفصيلَين للسيطرة على أجزاء واسعة من البلاد، وإنهاء حُكم المجلس العسكري المستمرّ منذ العام 2020.
ورغم التباين الظاهر في مصالح الانفصاليين والإرهابيين، وفق ما يقول خبراء، يبدو أن اتحادهما الراهن يركّز على عدوّ مشترك هو المجلس العسكري الحاكم، وداعميه من القوات شبه العسكرية الروسية.
ومؤخرا، أعلنت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" -فرع تنظيم القاعدة في منطقة الساحل الأفريقي- مسؤوليتها عن سلسلة هجمات نُفّذت بالتعاون مع متمرّدي الطوارق في "جبهة تحرير أزواد".
ومن خلال مهاجمة مواقع استراتيجية يسيطر عليها المجلس العسكري الحاكم في عدد من المدن الكبرى وعلى أطراف العاصمة باماكو، تمكّن المسلحون من السيطرة على مدينة كيدال الشمالية، وقَتْل وزير الدفاع ساديو كامارا.
و"جبهة تحرير أزواد"، حركة انفصالية تأسست في عام 2024 وتسعى إلى استقلال إقليم أزواد في شمال مالي.
وشنّ المتمردون والإرهابيون هجوما مشتركا على كيدال، لتعود إلى سيطرتهم بعدما كان المجلس العسكري مدعوما من حلفائه في "فيلق أفريقيا" التابع لروسيا، استعادها في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
كذلك، أفادت مصادر أمنية بأن المتمردين والإرهابيين قاتلوا أيضا جنبا إلى جنب في مدينة غاو الشمالية.
ولعلّ ما يجري اليوم يشبه إلى حدّ كبير الأزمة التي هزّت مالي في العام 2012، حين تحالف متمردو الطوارق مع الإرهابيين للسيطرة على مراكز استراتيجية في شمال البلاد، قبل أن يتفكّك الحلف، وينقلب الحليفان بعضهما على بعض.
والطوارق، شعب رحّل تاريخيا ينتشر في مالي والنيجر والجزائر وليبيا وبوركينا فاسو، وهم من الجماعات التي حملت السلاح لعقود احتجاجا على التهميش، ولا سيما في منطقة كيدال.
"أهداف متباينة"
على مدى سنوات، ظلّت العلاقات بين الطرفين متوتّرة، وتخلّلها اشتباكات مباشرة في أبريل/نيسان 2024 على الحدود مع موريتانيا.
لكنهما تحالفا مجددا في عام 2025، بحسب ما قاله وسيم نصر الباحث في مركز "صوفان" للدراسات في نيويورك، والمتخصص في الحركات الإرهابية، لوكالة "فرانس برس".
وينص الاتفاق الجديد بين "جبهة تحرير أزواد" وجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" على أن يقبل المتمردون الطوارق بتطبيق الشريعة الإسلامية، وأن لا يُعيَّن القضاة إلا بموافقة الجانبين، فضلا عن تقاسم الخبرات العسكرية بينهما.
ويوضح نصر أن الاتفاق ينصّ أيضا على أن تتولّى "جبهة تحرير أزواد" إدارة المراكز الحضرية بشكل أساسي، فيما يتولّى الإرهابيون المناطق الريفية.
ويضيف أن ما سهّل قرار التعاون بينهما، إبداء الجماعة استعدادها لمشاركة خبراتها في استخدام العبوات الناسفة اليدوية الصنع وقذائف الهاون، وهي قدرات لا تتقنها الجبهة.
ووفقا لنصر، فإن الهجمات المنسّقة شكّلت "المرة الأولى التي نرى فيها فعليا بنود الاتفاق تُطبَّق على الأرض".
من جانبه، يقول مدير مشروع الساحل في "مجموعة الأزمات الدولية" جان‑هيرفي جيزيكيل، إن سمة مميّزة لهذا التحالف الجديد تكمن في أنه يجمع منظمتَين بأجندات مختلفة.
ويوضح جيزيكيل، لفرانس برس، أنه فيما "تسعى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى أجندة سياسية دينية، تتمحور حول إقامة الشريعة ورفض القوات الأجنبية، تدافع جبهة تحرير أزواد عن أجندة إقليمية وانفصالية تتمحور حول أزواد".
ويلفت إلى أن "هذا التقارب يقوم أولا وأساسا على وجود أعداء مشتركين، هم السلطات المالية وشركاؤها الروس".
ومن وجهة نظر جيزيكيل، فإن استراتيجية هذه الجماعات "تتمثّل في إضعاف السلطات المالية ونزع الشرعية عنها عبر تكثيف الضغط الأمني عليها، أملا في أن ينهار النظام، بدلا من السعي مباشرة إلى الاستيلاء على السلطة، وهو ما يبدو أكثر تعقيدا على المدى القريب".
وبخلاف تحالفات أوائل العقد الثاني من الألفية، التي تفككت سريعا، يرى جيزيكيل أن اتفاق التعاون الحالي قد يستمر لفترة أطول، حتى وإنْ ظلّت آفاقه على المدى المتوسط غير مؤكدة.
أما نصر فيقول إن الاختبار الحقيقي لهذا التحالف ستحدّده كيفية إدارة المدن مثل كيدال، وهي مرحلة لم تبدأ بعد.