وسيلة نقل تتحول لهاجس أمني.. مالي تواجه الإرهاب عبر الدراجات النارية (خاص)
الدراجات النارية تتصدر الجدل بمالي، مع قيود مفاجئة فرضتها السلطات، أملا في حرمان الإرهاب من "أداة ناجعة"، لكن القرار يحمل أضرارا جانبية.
اعتبر خبراء ماليون أن القيود التي فرضتها السلطات الانتقالية على استخدام الدراجات النارية خارج المدن الكبرى تعكس تصاعد المخاوف من استغلال الجماعات الإرهابية لهذه الوسائل في تنفيذ هجمات سريعة، مؤكدين أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها الأمنية، تطرح تحديات اجتماعية واقتصادية عميقة.
قرار أمني
وقررت السلطات في مالي حظر استخدام الدراجات النارية ذات سعة 125 سم³ فما فوق خارج المدن الكبرى، في خطوة بررتها بـ“الضرورات الأمنية”، خاصة في ظل نشاط جماعات مرتبطة بتنظيم "القاعدة" في مناطق واسعة من البلاد.
كما أعلنت وزارة النقل عن عملية خاصة لإجبار مستخدمي الدراجات على تسجيلها، بهدف تتبعها ومنع استخدامها في العمليات المسلحة.
توازن صعب
وتعليقا على ذلك، قال أستاذ العلوم السياسية المالي المتخصص في العلاقات الدولية، موديبو غالي سيسييه، لـ"العين الإخبارية"، إن "الجماعات المسلحة في الساحل تعتمد بشكل كبير على الدراجات النارية لتنفيذ هجمات خاطفة".
وأشار سيسيه إلى أن "أي استراتيجية لمكافحة الإرهاب لا يمكن أن تتجاهل هذه الوسيلة"، محذراً في الوقت ذاته من أن "الحظر الشامل قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم يترافق مع حلول بديلة للسكان".
وأضاف أن "نجاح هذه الإجراءات يبقى مرهونًا بقدرة الدولة على كسب ثقة السكان المحليين"، مشددا على أن "أي سياسة أمنية لا تراعي الواقع الاجتماعي والاقتصادي للسكان قد تدفع بعضهم إلى الالتفاف عليها، أو حتى التعامل مع الجماعات المسلحة كخيار بديل لضمان استمرارية حياتهم اليومية".
واقع معقد
من جهتها، قالت الخبيرة المالية المتخصصة في قضايا الأمن في الساحل وإصلاح القطاع الأمني، نياجالي باجايوكو، لـ"العين الإخبارية"، إن هذه الترتيبات المحلية تعكس واقعًا معقدًا، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع ضرورات الحياة اليومية.
ولفتت إلى أنه إلي جانب القيود الأمنية، يعاني السكان من ارتفاع كبير في أسعار الوقود بسبب الحصار الذي تفرضه الجماعات المسلحة على طرق الإمداد.
وأشارت إلي أن ذلك الوضع أدى إلى تقليص القدرة على التنقل، ما يجعل من الصعب تحديد ما إذا كان تراجع استخدام الدراجات يعود إلى الحظر أو إلى أزمة الوقود.
ورأت أن هذه الإجراءات تكشف عن معضلة حقيقية تواجهها مالي، وهي أنه كيف يمكن محاربة الإرهاب دون خنق الحياة اليومية للسكان.
ومضت قائلة: "بينما ترى السلطات أن القيود ضرورية للأمن، فإن نجاحها يتوقف على قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات مكافحة الإرهاب واحتياجات المواطنين، في بلد لا تزال فيه الدولة تكافح لبسط نفوذها الكامل.
تطبيق متفاوت
بدورها، قالت إذاعة "آر إف آي" الفرنسية إنه بعد أيام من دخول القرار حيز التنفيذ، أظهرت المعطيات الميدانية تفاوتًا كبيرًا في تطبيقه بين المناطق، موضحة أنه في بعض المناطق في مالي مثل كوتيالا وسيبي، لا تزال الدراجات تستخدم بشكل شبه طبيعي، رغم وجود نقاط تفتيش، بينما شهدت مناطق أخرى مثل ضواحي باماكو وغاو عمليات مصادرة واعتقالات.
ورأت الإذاعة الفرنسية، أن هذا التباين يعكس، بحسب مراقبين، ضعف السيطرة المركزية على بعض المناطق، خاصة تلك التي تنشط فيها الجماعات المسلحة.
وتلعب الدراجات النارية دورًا حيويًا في الحياة اليومية، خصوصًا في المناطق الريفية، حيث تستخدم للتنقل والعمل الزراعي والوصول إلى الخدمات الأساسية.
في المقابل، أصبحت هذه الوسيلة أيضًا أداة مفضلة للجماعات الإرهابية، نظرًا لسرعتها وقدرتها على التحرك في مناطق وعرة يصعب على القوات النظامية الوصول إليها.