جزيرة بافارية تحشد عباقرة نوبل والعلماء الشباب من 1951 حتى اليوم.. ما قصتها؟
من قلب الأنقاض التي خلفها دمار الحرب العالمية الثانية عام 1945، انطلقت من جزيرة "لينداو" الألمانية فكرة استثنائية أعادت إحياء الحركة العلمية في أوروبا.
فقد نجح الطبيبان الألمانية فرانز كارل هاين وغوستاف فيلهلم باريد، بالتعاون مع الأمير السويدي لينارت برنادوت، في تدشين أول اجتماع لعلماء نوبل عام 1951، ليتحول هذا المحفل السنوي إلى القبلة الأولى للبحث العلمي ومد جسور التواصل بين العباقرة والجيل الجديد من الباحثين.
فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، وبينما كانت ألمانيا تسترد عافيتها من الحرب التي أنهكتها لسنوات، كان هناك في الجنوب طبيبان يعيشان في "لينداو"، وهما: "فرانز كارل هاين" و"غوستاف فيلهلم باريد".
أراد الصديقان أن ينعشا الحركة العلمية في البلاد من جديد عبر إقامة مؤتمرات ومنتديات علمية؛ لمشاركة آخر ما توصلت إليه العلوم بين العلماء الشباب والكبار، وسعيًا منهما لإقامة اجتماعات علمية فريدة، فكروا في إضافة عنصر مهم، وهو استضافة علماء نوبل على جزيرة لينداو الواقعة في بحيرة "كونستانس" (Constance).
لم يكن الأمر سهلًا بالطبع؛ فاستضافة علماء نوبل يحتاج إلى وساطة قوية عند مؤسسة جائزة نوبل؛ خاصة بعد ظروف الحرب التي عانت منها أوروبا قبلها؛ فلجأوا إلى الأمير "لينارت برنادوت"، كونت ويسبورغ، وكان حفيد الملك "غوستاف الخامس"، ملك السويد، والذي كان مهتمًا بالعلوم والفنون بصورة خاصة، ومقر إقامته وقتها كانت في جزيرة "مايناو" (Mainau)، وهي أيضًا واقعة في بحيرة كونستانس.
وتلك الجزيرة جزء مهم من الاجتماع، سنذكره لاحقًا. وبالفعل مدهما بالدعم اللازم، وصار الراعي الفخري للاجتماع الذي انطلق لأول مرة في عام 1951، والذي كان مخصصًا للمجال الطبي، وجمع 7 علماء حائزين على جائزة نوبل في الطب بالإضافة إلى 400 مشارك.
تطوّرات
مع مرور السنوات، اتسعت مظلة اجتماع "لينداو" لتتجاوز الطب إلى الفيزياء والكيمياء، وصولاً إلى تخصيص دورة استثنائية للعلوم الاقتصادية تُعقد مستقلة كل 3 سنوات بمعزل عن التخصصات العلمية الأخرى. وتأكيداً على انتظام هذه اللقاءات منذ انطلاقها عام 1951 حتى أثناء جائحة كورونا عبر الإنترنت، احتضن يوليو/تموز 2026 الدورة الـ75 لاجتماع العلوم العامة، بينما سُجلت الدورة الـ8 للاقتصاد في عام 2025.
وكان عام 2000 محطة فارقة في تاريخ الاجتماع؛ إذ شهدت الدورة الـ50 ثورة تنظيمية بجمع التخصصات الثلاثة (الطب، والفيزياء، والكيمياء) في مظلة واحدة، ضمت 59 عالماً حائزاً على نوبل إلى جانب 647 باحثاً شاباً.
نصائح العباقرة لجيل المستقبل عبر «العين الإخبارية»
في تصريحات خاصة لـ "العين الإخبارية"، قدم عدد من رموز نوبل روستة نجاح ملهمة للشباب:
- دنكن هالداين (نوبل الفيزياء 2016): حذر من الخوض في العلم دون شغف حقيقي، منادياً بضرورة إنتاج نفع ملموس، وقال: "لا تضع كل جهدك في مشروع واحد بنسبة 100%؛ بل اترك مساحة لاستكشاف الظواهر الجانبية، فربما تكمن بينها أكبر الاكتشافات العلمية"، مشدداً على أهمية الاستمرارية.
- جورج بيدنورز (نوبل الفيزياء 1987): أعرب عن تفاؤله بالجيل الجديد الساعي لتغيير العالم، مؤكداً أن جائزة نوبل شرف لا يمكن التخطيط له أو السعي وراءه، ووجه نصيحته قائلاً: "ابحث عن شغفك الحقيقي لتبدأ يومك بحماس مطلق، وإذا خبت هذه الطاقة في مهنتك الحالية، فتوقف فوراً وغير اتجاهك".
- آدم سميث (المسؤول العلمي لمؤسسة نوبل): أضفى بحضوره الخفيف روحاً ودية كسر بها الطابع الأكاديمي الصارم، موضحاً لـ"العين الإخبارية" أن دمج الأجيال يمنح الشباب إلهاماً يذكرهم بمتعة البحث العلمي ويرشدهم في بناء مسارهم المهني.
إعلانات "مايناو": عندما يصنع العلم السياسة
تُختتم الفعاليات رحلة تستغرق ساعتين عبر بحيرة "كونستانس" نحو جزيرة "مايناو" (مقر إقامة الأمير برنادوت)، لتتحول جلساتها الهادئة إلى منصة لإطلاق وثائق تاريخية غيرت وجه العالم:
- إعلان 1955 ضد الأسلحة النووية: نبعت فكرته عقب دعوة "ألبرت شفايتزر" (نوبل السلام 1952) لإعادة الإنسانية للعلم في دورة 1954. وفي العام التالي، وقع 18 عالماً (أبرزهم فيرنر هايزنبيرغ) وثيقة تحذر من أن التلوث الإشعاعي قادر على إبادة شعوب بأكملها، مطالبين القادة بعدم تلطيخ العلم بالدماء.
- إعلان 2015 للتغير المناخي: بالتزامن مع التحضير لقمة المناخ (COP21) في باريس وقبل توقيع اتفاقيتها التاريخية، وقع 36 عالماً من حائزي نوبل وثيقة حذرت من خطر مناخي يوازي الخطر النووي، مستندين لتقارير الهيئة الحكومية الدولية (IPCC) لإدانة الانبعاثات البشرية ومطالبة الدول بحراك حاسم.
- إعلان 2024 نداء ضد الحرب النووية: في 5 يوليو/تموز 2024، ومع تصاعد الصراعات الدولية، جدد 30 عالماً من نوبل وأكثر من 200 باحث شاب صرختهم في وجه قادة العالم للحد من المخططات النووية التي تهدد الحضارة الإنسانية.
وتستمر اجتماعات "لينداو" حتى اليوم، ملتقى استثنائياً يلتقي فيه تاريخ العلم مع آفاق المستقبل.