سياسة

الرؤى المستقبلية الواعدة للشرق الأوسط الجديد

الخميس 2018.11.1 07:39 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 277قراءة
  • 0 تعليق
د.طارق فهمي

لا تتوقف توجهات  القيادات الشابة في الإقليم سواء في السعودية أو دولة الإمارات العربية المتحدة عن حدود منطقة الخليج العربي، بل تتسع الرؤية لتشمل الإقليم بأكمله، خاصة أن هذه القيادات هي التي ستغير وجه العالم العربي ليصبح عالما عربيا وشرقا أوسطيا حيث تتداخل المصالح والرؤى على مستويات مختلفة، ولعل ما أشار إليه الأمير محمد بن سلمان ما يؤكد هذا، خاصة مع التحولات الجديدة والمتسارعة في دول المنطقة.

جزء من استراتيجية التحرك العربي إقليميا ودوليا تنطلق من الإيمان بقدراتنا العربية ليست الاقتصادية أو ثرواتنا الطبيعية، وإنما أيضا بالمكون البشري الذي تصدر كل الرؤى المستقبلية المطروحة من القيادات العربية، سواء في السعودية أو الإمارات التي قدمت بالفعل نماذج رائعة ومبهرة في التنمية والتطور الإداري والاقتصادي
أولا: يحتاج الإقليم العربي بكل معطياته الراهنة سواء السياسية أو الاستراتيجية أو الاقتصادية إلى قيادات قادرة على الحسم والانطلاق، لتحقيق أهداف استراتيجية وليست فقط تكتيكية في ظل حال الحراك السياسي الراهن؛ حيث تتبلور رؤيتان.

الأولى: تدعو إلى الانتظار وعدم التعجل في التحرك لرسم استراتيجيات طويلة، لحين انتهاء حال عدم الاستقرار الراهنة، وحدوث حال من التوافقات العربية العربية والعربية الإقليمية. والثانية تدعو إلى الانطلاق إلى الغد والعمل على بناء استراتيجيات أكثر وضوحا وثقة وعبر سنوات ممتدة، وهو ما آمنت به القيادات الشابة في الخليج؛ حيث حققت هذه القيادات في الإمارات والسعودية نجاحات كبيرة، في إطار استشراف المستقبل والتعامل مع المعطيات الراهنة والمحتملة انطلاقا من قراءة مستفيضة للواقع الحالي، وفي ظل إرادة سياسية حقيقية، وهو ما سيمثل تغييرا كبيرا ومتوقعا في الفترة المقبلة، خاصة أن دولا كبرى في الإقليم بدأت أيضا تحقيق إنجازات كبيرة في مجالات متعددة مثل مصر؛ حيث يتحدث الرئيس السيسي عن مصر 2020، كما تحدث ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن 2030، وكما أعدت دولة الإمارات استراتيجيات لسنوات ممتدة، واستشرافية في التعليم والثقافة والتنمية، ومنها استراتيجية الإمارات لاستشراف المستقبل، وتتضمن الاستراتيجية ثلاثة محاور رئيسية هي: آلية عمل الحكومة ومحور بناء القدرات ومحور وجهة المستقبل، وتقع ضمن كل محور مهام وواجبات سيعمل على تنفيذها ضمن الجدول الزمني المحدد.

ثانيا: إن المدخل لتغيير الشرق الأوسط ليس كما تريده الدول المجاورة للإقليم العربي بكل حساباتها وتقديراتها السياسية والاستراتيجية المعقدة والتي تريد النيل مما تبقى من النظام الإقليمي العربي، وإنما هو اقتراب اقتصادي مصلحي يقوم على التبادلية والنفعية والحسابات العربية بالأساس، وليست فقط المصالح الخارجية، ومن ثم فإن هذا الاقتراب هو الذي سيؤكد ضرورة الانطلاق من الواقع العربي الراهن -الذي ما زال يواجه بأزمات التغلغل، والتدخل وعدم الاستقرار وتداخل المصالح للقوى الكبرى- إلى إطار جديد سيعتمد على المصالح المشتركة والبعد الاقتصادي بالأساس مع تحقيق شرعية الإنجاز، والعمل الذي تسعى إليها القيادات السياسية في دول السعودية والإمارات العربية ومصر، انطلاقا من توجه يستند على قراءة حقيقية وإدراك كامل بضرورة التغيير المبني على أسس واقعية وليست مجازية، ولهذا فإن شرعية الإنجاز التي تتم على مستويات متعددة هي التي ستدفع للاستقرار، وتحقيق الطموحات المرجوة رغم استمرار شبكة التدخلات الخارجية والتي تريد العالم العربي في حال من عدم الاستقرار والعمل على استنزاف مقدراته، وهو ما جرى ويجري وتعمل القيادات العربية الصاعدة بقوة لتغيير قواعد اللعبة دون صدامات، وإنما من خلال استراتيجية الأمر الواقع، فالانفتاح العربي على الدول الكبرى مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي ليس معناه استبدال حليف بحليف آخر أو السعي إلى مناكفات سياسية أو استراتيجية، وإنما بناء تحالفات جديدة وتنويع مصادر التفاعلات الدولية اعتمادا على رؤية أكثر واقعية ووضوحا.

ثالثا: إن تذكير الخارج الأوروبي والأمريكي بما يملكه العالم العربي من مقدرات ومعطيات أمر ضروري ومهم، خاصة أن حجم الحاجة الأوروبية والأمريكية لا يقل عن الحاجة العربية المقابلة بعيدا عن الحديث التنظيري حول أوراق الضغط العربية التي يمكن توظيفها عند الحاجة، أو التعاون الاستراتيجي والعسكري، فواقعيا يمكن للدول العربية بناء قاعدة تفاعلات عربية دولية كبيرة في ظل بناء شرعيات جديدة لا تعتمد إلا على الحسابات والمصالح العربية بالأساس، وبدرجة أولى على أن يلي ذلك أية مصالح عربية دولية أخرى، وهو أمر طبيعي ومهم في ظل المخاطر والتحديات التي تواجه الإقليم ليس فقط من تركيا وإيران وإسرائيل وإنما أيضا من القوى المتربصة بمقدرات الإقليم السياسية والاقتصادية، وتسعى إلى النيل منها، وهو ما سبق وحذرت من تداعياته القيادات العربية الطموحة في الإقليم، والتي تريد عالما عربيا جديدا في ظل التطور الجاري في العالم، ونحن بطبيعة الحال جزء ركين منه ولا يمكن أن نخرج عن إطاره، أو لا نعمل بقواعده سواء قبلنا بعضها أو تحفظنا على بعضها الآخر، ومن ثم فإن جزءا من استراتيجية التحرك العربي إقليميا ودوليا تنطلق من الإيمان بقدراتنا العربية ليست الاقتصادية أو ثرواتنا الطبيعية وإنما أيضا بالمكون البشري، الذي تصدر كل الرؤى المستقبلية المطروحة من القيادات العربية سواء في السعودية أو الإمارات، التي قدمت بالفعل نماذج رائعة ومبهرة في التنمية والتطور الإداري والاقتصادي، واستراتيجيات التعليم والرؤى الاستشرافية الحقيقية وباتت نماذج قابلة للتكرار بدليل طرح مئوية الإمارات 2071؛ حيث تتضمن رؤية شاملة وطويلة الأمد تمتد خمسة عقود، وتشكل خريطة واضحة للعمل الحكومي.

رابعا: إن العالم العربي جزء من شرق أوسط أكبر ومن ثم فإن الحفاظ على المعطيات العربية في المجالات كافة مقدمة حقيقية للدخول في الشرق الأوسط على أسس وقواعد أكثر استقرارا ووضوحا، ومن خلال منظومات جديدة في مجالات الاقتصاد والسياسة والأمن والاستراتيجية، وهو ما تعمل به القيادات العربية التي تعيد تصحيح الصورة الراهنة للعالم العربي على أنه إقليم مضطرب وغير مستقر، وأن حال الاستقرار ستستمر وتدوم، وهو أمر غير صحيح في ظل ما يجري في الوقت الراهن وفي دول عربية باتت رائدة في مجال تطويرها الراهن، وهو ما تدرك تبعاته الدول الكبرى التي تسعى إلى استمرار الشراكة مع هذه الدول ليس فقط من أجل الاقتصاد والاستثمار فقط، بل في مجالات عدة أخرى، وهو ما يدفعنا كعرب لإعادة تطوير مؤسسات العمل العربي المشترك من جديد وإعادة ترتيب الأولويات العربية الإقليمية على أسس من الواقعية السياسية والاقتصادية، وعدم القبول بحال الوضع الراهن للمؤسسات العربية، وهو ما قد يعيد النظر في الاتفاقيات العربية العربية والعربية الإقليمية والدولية على حد سواء، خاصة أن المتطلبات العربية المستقبلية تدفع إلى هذا الخيار وذلك التحدي، ولهذا فإن جزءا من مهمة القيادات العربية الواعدة أن ترسم للمستقبل، وتخطط للوصول بالشرق الأوسط الجديد إلى مرحلة مغايرة لما كان، وهو ما تدركه الدول الكبرى من أن العالم العربي يتغير، وأن استقرار الأوضاع في العراق وسوريا وليبيا سيؤدي إلى إحداث نقلة نوعية في النظام الإقليمي العربي بأكمله، وستتطلب مواجهة التحديات والمخاطر الانطلاق نحو بناء رؤية أكثر اتساعا واستراتيجية أكثر استقرارا وثباتا.

خامسا: ستظل إذن النماذج الناجحة في الخليج العربي منطلقا لإحداث تغيير كبير قادم ومتوقع في السنوات المقبلة، انطلاقا من مقدرات عربية خالصة في مؤشرات التنمية ونسب التشغيل، وحجم الاستثمارات وانخفاض معدلات التضخم والبطالة والمستهدفات المطلوبة التي تعمل من خلالها الاستراتيجيات المستقبلية الموضوعة، والتي ترسم السيناريوهات وتحدد الخيارات وتضع رؤية أكثر اتزانا وملائمة للتعامل مع المستقبل المنظور، والذي سيحدد دور العالم العربي في الفترة المقبلة؛ هل سنكون قوة مؤثرة وفاعلة أم سنظل في مواقعنا؟

والإجابة بالتأكيد أن الرؤية الأخرى للعالم العربي تدفع إلى التوقع بالرؤية الأكثر تفاؤلا، والتي ترى أن العالم العربي قادر بالفعل أن يكون القوة المؤثرة في العالم، وأنه لا يقل عن القوى الأخرى في المنظومة الدولية، بل سيكون العالم العربي والشرق الأوسط قبلة للإنجاز والعمل ورسم المستقبل عبر سلسلة من المشروعات الممتدة والتي لن تتوقف أمام إنجاز بعينه، ولهذا فإن السيناريوهات القريبة التي سيشهدها الشرق الأوسط ستمضي في إطار ثلاثة سيناريوهات.

الأول: بدء تشكل شرق أوسط جديد على أنقاض النظام الراهن من خلال إعادة ترتيب الحسابات والمقدرات العربية سياسيا واقتصاديا وبناء شرعيات الإنجاز السياسي بالأساس، وصعود القوى العربية القائدة مثل السعودية الإمارات ومصر، وعلى أن تلحق بها دول مثل الكويت والعراق ودول أخرى في النطاق المغاربي.

والثاني: حدوث تغييرات حقيقية في بعض النظم العربية الراهنة مثل الجزائر وتونس والعراق وسوريا بعد انتهاء الحال السياسية والاستراتيجية الراهنة، والأردن بعد حل أزمتها الاقتصادية، مما تدفع بالدول الكبيرة في الإقليم، خاصة السعودية والإمارات ومصر، إلى البدء في ترسيم حدود النظام العربي الشرق الأوسط الجديد، ومن خلال رؤية أكثر تطورا لنكون أمام عالم عربي جديد في الأهداف والسياسات والتوجهات، مما سيتطلب إتمام مراجعة كاملة للعلاقات العربية الإقليمية والدولية وإحداث قدر كبير من التوازن في نمط العلاقات، مع العمل على بناء استراتيجيات طويلة ممتدة.

والثالث: إتمام وإنجاز العديد من المشروعات المخطط لها في السنوات المقبلة مما سيبني روادع حقيقية لمواجهة أية تحديات أو مخاطر لن تتوقف عند الخطر الإيراني فقط، بل ستمتد إلى جميع مجالات التحديات الأخرى التي تواجه أي تعاملات حقيقية عربية خارجية، وفي ظل الرهان على أن الشرق الأوسط الراهن سيتغير بأكمله وفي إطار ما يجري من تطورات ستمتد إلى جميع الدول في الإقليم ولن تقتصر فقط على دول بعينها، وهو ما يجب تفهمه في إطار ما يجري من حولنا من متغيرات حقيقية.

إن الشرق الأوسط الجديد سيبني على أسس جديدة وفي ظل معطيات أكثر موضوعية وفي إطار من التبادلات السياسية والاستراتيجية المتعددة، خاصة مع استمرار الارتباطات العربية الخارجية، ومن حق الدول العربية -وفي نطاق وجودها الاستراتيجي- إعادة ترتيب حساباتها الحقيقية بما يخدم المصالح العربية بالأساس، ويعيد تأكيد الحقائق ويضعها في نصابها الطبيعي بأن الدول العربية فاعلة وأكثر تأثيرا في المنظومة الإقليمية والدولية، وأنه لا يمكن أن يكون النظام الدولي أكثر استقرارا وثباتا ما لم يتحول الشرق الأوسط إلى أداء دور جديد في ظل ما يتم من إنجازات حقيقية تجري في الدول العربية المركزية مثل السعودية والإمارات ومصر، وهو ما يؤكد ما قاله الأمير محمد بن سلمان من أن الشرق الأوسط سيكون أوروبا الجديدة.

من حق العالم العربي أن يحقق نجاحات حقيقية في ظل قيادات ملهمة تملك كاريزما الحضور الشعبي والإرادة السياسية والقدرة على رسم المستقبل، ومع امتلاك هذه القيادات رؤية حقيقية فإن أي إنجاز واقعي سيفرض شرعية من نوع جديد تتجاوز المعطيات العربية المتعارف عليها، وليتجه الشرق الأوسط -وفي القلب منه الدول العربية- إلى مرحلة جديدة من التقدم والازدهار، وهو ما نتمناه لدولنا وشعوبنا العربية.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات