سياسة

الأقليِّات ومفاتيح الغرب

الأحد 2018.5.6 10:11 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 673قراءة
  • 0 تعليق
نادية التركي

لم يشهد التاريخ تحولات في التركيبة البشرية كما نشهده الآن، والمقصود هنا التنوع إذا نظرنا للشعوب وتوزيعها على المناطق جغرافيا، وهذا بذاته يقسِّمها لغوياً ودينياً واقتصادياً، ويفتح مجالات للاختلاف والخلاف، وهذا أمر طبيعي ولم يتسبب في صراعات أو نزاعات غير مبررة. 

لكن المثير للانتباه، والذي تحول إلى ظاهرة هو ما نشهده اليوم في العالم من موجة هجرة لم يشهد مثلها من قبل، فقد خلّفت النزاعات والحروب، ومنذ بداية القرن الماضي تدفق اللاجئين من الدول التي شهدت حروباً ونزاعات سواء داخلية أو خارجية، وتلك التي مرت بمجاعات وفقر أو كوارث طبيعية.

عدد المهاجرين لم يكن كبيراً في السابق، ولكن فاق تدفقهم في السنوات الأخيرة كل التوقعات، ما جعل الهجرة تتحول إلى ظاهرة مرعبة في السنوات الأخيرة، تتصدر قائمة أولويات الملفات التي يتم بحثها أوروبياً ودولياً.

وكان الغرب ومازال المركز الأول والأهم لاستقطاب اللاجئين من مختلف أنحاء العالم، ولم يمثل ملف الهجرة إشكالاً كبيراً في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى نهاية الثمانينيات تقريباً لعدة أسباب، أهمها أن الدول الغربية كانت في حاجة لليد العاملة الأجنبية للبناء والخدمات بمختلف أنواعها.

كما أن الوافدين إلى هذه الدول كان بينهم نخبة من العقول والخبرات العلمية والفكرية التي استفاد منها الغرب ولا يزال يسعى إلى استقطابها إلى يومنا هذا.

والأهم أن عدد المهاجرين لم يكن كبيراً في السابق، ولكن فاق تدفقهم في السنوات الأخيرة كل التوقعات، ما جعل الهجرة تتحول إلى ظاهرة مرعبة في السنوات الأخيرة، تتصدر قائمة أولويات الملفات التي يتم بحثها أوروبياً ودولياً، وذلك بسبب ربطها بالإرهاب ولأن أغلب اللاجئين الوافدين على أوروبا حالياً من دول إسلامية أو من أصول مسلمة.

ونرى تضافر جهود واتفاقيات تعاون تصدر بشكل يومي سواء بين الدول أو بين المنظمات والتكتلات الدولية، والملفت أن هذه الدول لا تحاول التنسيق مع المهاجرين أنفسهم، الحل الأساسي لمسألة الهجرة وخاصة بالنسبة للأقليات المسلمة في الغرب لن يتحقق بدون التعاون مع هذه الأقليات المتواجدة أساساً، الحل يستوجب بالإضافة إلى عمل الحكومات أن يتم التعاون مع الأقليات المسلمة في الغرب على مستويين.

المستوى الأول يتمثل في دور المهاجرين والمسلمين الذين يعيشون في الغرب، ومحاولتهم التأقلم مع الدول التي يعيشون فيها، لا سيما العمل على قبول ثقافتهم واختلاف دينهم وممارساتهم، وتوعية أبنائهم بذلك، وهذا لا يعني بالضرورة التخلي عن الأصول الإسلامية والعادات والتقاليد الخاصة بالدول الأصلية، لكن ممارستها مع احترام قوانين الدول التي يعيشون فيها.

لكن للأسف، فقد رأينا مجموعات كبيرة من المهاجرين المسلمين ينزوون على أنفسهم رافضين التأقلم؛ ويتطور هذا الأمر ليتحول إلى صراع مع أبنائهم الذين وُلدوا في هذه الدول وحاولوا الاندماج.

والضرورة الآن لا تحتاج الاندماج مع الآخرين فحسب، بل الاقتراب أكثر منهم وتعريفهم عبر السلوك لا الموعظة بسماحة الدين الإسلامي، وتجنب الخطابات الدينية المباشرة، خاصة التي فيها حدة وتعكس رفض ثقافة الآخر بأي شكل من الأشكال. حان الوقت للوعي بأهمية زرع ورعاية ثقافة الاندماج والتقبّل..

والمستوى الثاني هو أن تعمل منظمات غير حكومية على التوعية بضرورة تقبّل الآخر بين جميع الأطراف؛ خاصة في الأماكن التي يعيش فيها أعداد كبيرة من المهاجرين، والتوعية تتم عبر العمل الاجتماعي والثقافي والإعلامي والتعليمي.

وخير مثال على الدولة التي نجحت في هذا هي كندا، التي تضم عدداً هائلاً من المهاجرين، وما زالت أبوابها مفتوحة لهم، ومنحتهم فرص تولي مناصب عليا في الدولة، وقد نجحت المنظمات غير الحكومية الناشطة بهذا المجال في نجاح تأقلم المهاجرين في هذا البلد.

ونجاح التأقلم يعود بالفائدة على جميع الأطراف، حيث تستفيد الدول الحاضنة للمهاجرين الذين يشعرون تجاهها بالولاء والوطنية، من قبل المهاجرين الذين تفتح الآفاق أمامهم ولا يشعرون بالتمييز مما يجعلهم أكثر إبداعاً وعطاءً وفخراً لأوطانهم الأصلية حتى وإن كانوا من الجيل الرابع.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات