اجتماعات نيروبي.. قوى سودانية تلتف حول خارطة لإنهاء الحرب (خاص)
اجتماعات سودانية موسعة للقوى الرافضة للحرب، تشهدها العاصمة الكينية نيروبي تراهن على بلورة خارطة طريق جديدة تفتح الباب أمام تسوية شاملة تنهي القتال وتخاطب جذور الأزمة الممتدة منذ عقود.
الاجتماعات انطلقت، الجمعة، على أن تختتم اليوم السبت، بمشاركة واسعة من التحالفات والأحزاب السياسية والقوى المدنية والشخصيات العامة، الموقعة على «إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد».
واعتبر خبير في الشأن السوداني، تحدثت إليه «العين الإخبارية» أن الاجتماع يعطي مؤشرات إيجابية على بناء توافق سوداني واسع يعيد إطلاق مسار الحوار السياسي ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها «السودان الجديد».
وتأتي الاجتماعات ضمن تحركات سياسية تسعى إلى إعادة إحياء مسار الحل السلمي للأزمة المستمرة في السودان منذ أبريل/نيسان 2023، في ظل تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية لإنهاء النزاع.
ويشارك في الاجتماعات تحالف القوى المدنية والسياسية «صمود» برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك، إلى جانب رئيس حركة جيش تحرير السودان عبدالواحد محمد نور، وعدد من رؤساء وممثلي الأحزاب السودانية والنقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني.

وتأتي هذه الاجتماعات امتدادًا لاجتماعات نيروبي التي عُقدت في 16 ديسمبر/كانون الأول الماضي، وأسست «إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد»، والذي مثل أول اصطفاف واسع للقوى السودانية المناهضة للحرب.
وكان إعلان المبادئ قد أكد حينها أنه «لا يوجد حل عسكري للأزمة السودانية»، داعيًا إلى العمل من أجل وقف الحرب في أسرع وقت ممكن، مع ممارسة ضغوط على القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع للالتزام بخارطة الطريق التي طرحتها دول الآلية الرباعية المكونة من أمريكا ودولة الإمارات والسعودية ومصر، وصولًا إلى وقف لإطلاق النار لأغراض إنسانية يمهد لوقف دائم وشامل للحرب.
وتنعقد الاجتماعات الحالية بينما تتفاقم الأزمة الإنسانية في السودان مع اتساع النزوح والانهيار الاقتصادي واستمرار العمليات العسكرية في عدة مناطق، فيما تراهن القوى المدنية المشاركة على بلورة موقف سياسي موحد يفتح الطريق أمام عملية سياسية شاملة تنهي النزاع وتؤسس لمرحلة انتقالية جديدة.
«معركة وجودية»
وفي كلمته خلال الجلسة الافتتاحية، قال عبدالله حمدوك إن الاجتماع ينعقد في «ظرف معقد» يواجه فيه السودان «معركة وجودية» تتعلق بمصير البلاد، معتبرًا أن الحرب الحالية تسببت في دمار واسع وفقدان للأرواح والممتلكات وتشريد ونزوح ولجوء، ووصفها بأنها «أكبر كارثة في العالم اليوم».
وأكد حمدوك أن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل/نيسان 2023 لم «تهبط من السماء»، بل جاءت نتيجة أزمة ممتدة عاشها السودان منذ عام 1955، مرجعًا السبب الرئيسي إلى «الفشل في إدارة التنوع»، وهو ما أدى ـ بحسب قوله ـ إلى فقدان جزء عزيز من الوطن بانفصال الجنوب واستمرار دوائر الاحتراب حتى اليوم.
وشدد على أنه «لا يوجد حل عسكري لهذه الأزمة»، داعيًا إلى التوصل إلى حل تفاوضي وإلى ضرورة الاتفاق على «عقد اجتماعي جديد» يضع أساسًا لبناء دولة حديثة تقوم على احترام التنوع والمواطنة بلا تمييز.

وأوضح أن الاجتماعات الحالية ينبغي أن تفضي إلى تصميم عملية سياسية شاملة يقودها السودانيون أنفسهم، تقوم على 3 مسارات متزامنة ومتكاملة، هي: المسار الإنساني، ومسار وقف إطلاق النار، والمسار السياسي.
وأضاف أن المطلوب من المشاركين هو التوافق الكامل حول أهداف العملية السياسية، والتصور الخاص بوقف إطلاق النار واتفاق السلام الشامل، مشيرًا إلى أن كثرة المبادرات المطروحة بشأن السودان تجعل من الضروري أن تتوحد القوى المدنية السودانية حتى لا يُعاد ترتيب مستقبل البلاد «بالنيابة عن السودانيين».
وقال حمدوك إن الأزمة السودانية لا يمكن حلها عبر «المسكنات» أو الحلول المؤقتة، معتبرًا أن أي وقف مؤقت للحرب قد يؤدي إلى انفجارها مجددًا إذا لم تُعالج جذور الأزمة بصورة حقيقية.
ودعا إلى الاتفاق على مخرجات محددة تشمل إعلان مبادئ واتفاق سلام نهائي ودستور انتقالي وآليات للفترة الانتقالية وخارطة طريق واضحة بكل تفاصيلها.
كما تحدث عن المبادرات الإقليمية والدولية التي طرحت منذ اندلاع الحرب، مشيرًا إلى مبادرات جدة والمنامة ومبادرات «إيغاد» والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية ودول الجوار، لكنه اعتبر أن مبادرة الآلية الرباعية هي «الأهم»، لأنها وضعت خارطة طريق واضحة ومواقيت والتزامات محددة.
وأكد حمدوك أن من أهم ما تضمنته المبادرة الرباعية «التوصيف الواضح لعدم إشراك الذين خربوا الحياة السياسية في السودان»، في إشارة إلى الحركة الإسلامية والإخوان.
«مخاطبة الجذور»
من جانبه، قال عبد الواحد محمد نور إن الهدف من الاجتماعات يتمثل في «نزع فتيل الحرب» والوصول إلى سلام يشمل جميع السودانيين، مشددًا على ضرورة التوصل إلى خارطة طريق وآلية واضحة توقف الحرب وتنهيها.
وأكد أن الحرب الحالية ليست مجرد صراع بين الجيش والدعم السريع، بل هي امتداد لأزمة طويلة بدأت منذ عام 1955، معتبرًا أن معالجة جذور الأزمة هي الطريق الوحيد لإنهاء الحرب بصورة حقيقية.
وقال إن السودان لا يحتاج إلى «مسكنات» وإنما إلى «علاج يحل الأزمة»، داعيًا إلى مواجهة جذور الأزمة «بشجاعة» حتى لا تتكرر الحروب مستقبلًا.
بداية قوية
وفي تعليقه على الاجتماعات، قال الخبير في الشأن السوداني عثمان ميرغني، في حديث خاص لـ«العين الإخبارية»، إن مؤتمر نيروبي يأتي في توقيت «مهم جدًا ومناسب»، لأن المطلوب الآن هو العمل الجماعي للوصول إلى حل سلمي وسياسي للحرب الدائرة في السودان.
وأوضح ميرغني أن النقاط التي طرحها الدكتور عبد الله حمدوك في خطابه الافتتاحي تمثل «بداية قوية» لوضع خارطة طريق لإنهاء الحرب، مشيرًا إلى أن حمدوك قدم تصورًا واضحًا للأجندة التي يناقشها المؤتمر، ووضع محددات يمكن أن تحظى بتوافق واسع بين القوى السياسية السودانية.
وأضاف أن المؤتمر يبدو وكأنه «نقطة حسم فاصلة» بين استمرار الأزمة والانطلاق نحو معالجة شاملة للأزمة السودانية، معتبرًا أن مطالبة حمدوك للمجتمعين بوضع خطوط واضحة للتعامل مع الحرب تعد من أهم ما طُرح خلال الجلسة الافتتاحية، خصوصًا أن مؤتمرات عديدة سابقة لم تنتج مسارًا سياسيًا حقيقيًا للتعامل مع الأزمة.
وأكد أن الطريقة التي تحدث بها حمدوك تعكس وجود «عزم حقيقي» على وضع خارطة طريق واضحة بمؤشرات عملية تسمح باستخدام أدوات الحوار السوداني-السوداني لمعالجة الحرب وتفكيك أسبابها عبر توافق سياسي بين المكونات المختلفة.
وفيما يتعلق بإمكانية نجاح الاجتماعات في توحيد القوى المدنية، قال ميرغني إن مجرد جلوس هذه القوى السياسية معًا في مكان واحد يمثل «خطوة أولى مهمة»، مضيفًا أن المؤشرات الحالية توحي بوجود ما يشبه الإجماع على الأجندة المطروحة، خاصة ما يتعلق بالتسوية السياسية والحوار السوداني والحل السياسي للأزمة.
وأشار إلى أن كلمات بعض الشخصيات المشاركة، ومن بينها عبد الواحد محمد نور، تعكس وجود تقارب واضح حول هذه الأجندة، معتبرًا أن ذلك قد يمهد لاتفاق نهائي على خارطة طريق لحل الأزمة السودانية والتعامل معها بصورة «واقعية ومباشرة».
وأضاف ميرغني أنه متفائل بإمكانية انطلاق «مسار سياسي جديد» للتعامل مع الحرب بفعالية وكفاءة، مشيرًا إلى أن الإضافة الأساسية التي يحملها الإعلان السياسي الجديد تتمثل في اعتبار الوصول إلى حل سياسي وإنهاء الحرب مدخلًا لمعالجة جذور الأزمة السودانية، وليس مجرد وقف للقتال فقط.
وأوضح أن المؤتمر يتعامل مع الأزمة بوصفها أزمة دولة وبناء وطن جديد، من خلال معالجة الأسباب التي قادت إلى الحرب، مؤكدًا أن كثيرًا من القوى السياسية باتت أكثر إدراكًا اليوم بأن خلافاتها السابقة كانت أحد أسباب إطالة أمد الحرب.
مؤشرات إيجابية
وقال ميرغني إن الأجندة المطروحة حاليًا لا تتضمن، بحسب تقديره، نقاطًا خلافية كبيرة يمكن أن تعرقل التوافق، معتبرًا أن ذلك يفتح الباب أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق سياسي واسع بين القوى السودانية المشاركة.
وفيما يتعلق باستبعاد حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من مشروع الجبهة المدنية الموحدة، اعتبر ميرغني أن هذه القضية تمثل إحدى النقاط المهمة المطروحة للنقاش داخل المؤتمر، موضحًا أن الاتفاق على تحديد أطراف الحوار السوداني يعد خطوة أساسية بعد التباعد الكبير الذي كان قائمًا بين القوى السياسية السودانية حول من يحق له المشاركة في الحوار.
وأضاف أن استبعاد بعض القوى السياسية من الحوار، إذا تم الاتفاق عليه، يبقى جزءًا من عملية تنظيم المسار السياسي، مشيرًا إلى أن حزب المؤتمر الوطني أُطيح به عبر انتفاضة شعبية واسعة، وبالتالي فإن الحكم عليه «صدر من الشعب السوداني» وليس فقط من القوى السياسية المعارضة له.
وحول مشاركة القوى السياسية والحركات المسلحة، قال ميرغني إن المطلوب الآن هو مشاركة كل الأطراف القادرة على الإسهام في إنهاء الحرب، لكنه شدد على أن التحدي الحقيقي يتمثل في الوصول إلى «قواسم مشتركة» وحلول قابلة للتنفيذ على الأرض، بعيدًا عن الحلول ذات الطابع الشعاراتي.
وأضاف أن المعيار الحقيقي سيكون في النتائج النهائية التي سيخرج بها المؤتمر، وما إذا كانت هذه النتائج قادرة على تشكيل بداية لمسار عملي وحقيقي للتعامل المباشر مع الأزمة السودانية.
الإخوان خارج المشهد
وبشأن الحركة الإسلامية والإخوان، رأى ميرغني أن هناك «متغيرًا كبيرًا» حدث بعد القرارات الأمريكية المتعلقة بتصنيف الحركة الإسلامية تنظيمًا إرهابيًا، معتبرًا أن هذه الخطوة أثرت بشكل واضح على المعطيات السياسية داخل السودان.
وأوضح أن القوى المرتبطة بالحركة الإسلامية باتت تدرك أنه لم يعد ممكنًا ممارسة الهيمنة التي كانت قائمة خلال الفترات الماضية، وأن هناك اتجاهًا نحو التعامل بقدر أكبر من البراغماتية مع الواقع الجديد، معتبرًا أن استخدام الحرب كأداة لإقصاء القوى السياسية الأخرى «لم يعد فعالًا» بعد القرارات الأمريكية الأخيرة.
وختم ميرغني بالقول إن المأمول من اجتماعات نيروبي يتمثل أولًا في الاتفاق على خارطة طريق واضحة للحوار السوداني، بحيث يشكل المؤتمر خطوة أولى نحو مرحلة ثانية تبدأ فيها عملية حوار سوداني أوسع مع بقية القوى السياسية التي لا تزال توجد بينها وبين القوى المجتمعة في نيروبي مسافات سياسية كبيرة.
وأشار إلى وجود مؤشرات خلال الفترة الماضية، من بينها اجتماعات ولقاءات جرت في عدة عواصم، توحي بإمكانية الانطلاق نحو «حوار سوداني حقيقي» خلال المرحلة المقبلة.