رؤية أيزنهاور تعيد رسم أدوار «الناتو» الأوروبية.. هذا شرط بقاء التحالف
بعد أكثر من سبعة عقود على تأسيسه، يواجه حلف شمال الأطلسي «الناتو» مرحلة حاسمة تتطلب إعادة تعريف أدوار أعضائه.
فلم تعد أوروبا قادرة على الاعتماد كليًا على الولايات المتحدة كحامٍ لأمنها، وسط تزايد التحديات الإقليمية والدولية، من روسيا إلى الصراعات في الشرق الأوسط وأفريقيا.
في المقابل، تؤكد الاستراتيجية الوطنية الأمريكية للدفاع 2026 أن واشنطن ملتزمة بالحلف، لكنها تشترط مشاركة أوسع للحلفاء في تحمل أعباء الدفاع، بما يوازن بين القوة الصلبة الأمريكية والقدرة الأوروبية على مواجهة التهديدات بشكل مستقل.
فهل ينهار حلف «الناتو»؟
تقول صحيفة «ذا ناشيونال إنترست»، إن التحالف الغربي أقرب إلى التطور والتكيّف مع المطالب الأمريكية بتعزيز الدور الأوروبي، منه إلى التفكك أو الانهيار.
وأوضحت أن الأوروبيين داخل «الناتو»، يواجهون على مضض، حقيقة مفادها أنهم باتوا مطالبين—بعد أكثر من 75 عاماً—بتحمل المسؤولية الأساسية عن دفاعهم الذاتي ضمن إطار الحلف. ولم يعد بإمكانهم التعويل على الولايات المتحدة بوصفها المظلة الحامية الشاملة لأمنهم. وقد زادت أزمة غرينلاند الأخيرة من المخاوف بشأن احتمال انسحاب واشنطن من الحلف الأطلسي بالكامل.
غير أن «استراتيجية الدفاع الوطني» الأمريكية لعام 2026، التي صدرت حديثاً، تشير إلى العكس تماماً: فالولايات المتحدة لا تتخلى عن «الناتو»؛ إذ يتمركز نحو 80 ألف جندي أمريكي في أوروبا، ولا توجد مؤشرات على إغلاق قواعد أو إعادة القوات والمعدات إلى الداخل الأمريكي.
وبحسب الصحيفة الأمريكية، فإن المفارقة أن أكبر قاعدة عسكرية في ألمانيا لا تزال أمريكية وليست ألمانية. كما تواصل القوات الأمريكية انخراطها الكامل مع الحلفاء الأوروبيين، سواء عبر مناورات وعمليات برية مشتركة في بولندا ولاتفيا، أو عبر تنفيذ طلعات بحرية مع سفن «الناتو» في بحر البلطيق أو البحر المتوسط، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة لم تنكفئ عن «الناتو».
وتؤكد استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026 بوضوح أن الولايات المتحدة «ستواصل أداء دور حيوي داخل حلف الناتو نفسه». غير أن ما تغير هو أن واشنطن باتت تضغط بشكل منتظم على حلفائها لتحمل نصيب أكبر من أعباء الدفاع.
وبفضل الدبلوماسية الأمريكية والحرب في أوكرانيا، تعهّد الحلفاء الأوروبيون خلال قمة «الناتو» في لاهاي عام 2025 برفع إنفاقهم الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتعيد الاستراتيجية التأكيد على أنه، في حين ستُعطي الولايات المتحدة «أولوية للحوافز التي تشجع الحلفاء والشركاء على تحمّل المسؤولية الأساسية عن دفاعهم في أوروبا»، فإن وزارة الدفاع الأمريكية ستواصل في الوقت ذاته تقديم «دعم أمريكي حاسم، وإن كان أكثر محدودية».
ولا تنبع دعوة الاستراتيجية إلى تقاسم الأعباء الدفاعية من نزعة انعزالية أو غضب مرتبط بغرينلاند، بل من واقع استراتيجي صارم مفاده أن روسيا ليست التحدي العالمي الوحيد الذي تواجهه الولايات المتحدة.
وتشير الوثيقة إلى أن الجيش الأمريكي مطالب بالاستعداد للتعامل ليس فقط مع أوروبا، بل أيضاً مع الشرق الأوسط، والصين، وشبه الجزيرة الكورية، ونصف الكرة الغربي، وحتى أفريقيا، حيث نفذت الولايات المتحدة مؤخراً عملية عسكرية في نيجيريا ضد «إرهابيين».
وتقول الصحيفة الأمريكية، إن الولايات المتحدة مثقلة بالالتزامات، مشيرة إلى أنه من هذا المنطلق يصبح حثّ أوروبا داخل «الناتو» على تحمل قدر أكبر من أعبائها الإقليمية ضرورة استراتيجية، بل إن الجنرال دوايت أيزنهاور، عند تأسيس الحلف عام 1949، توقع أن يكون الدور العسكري الأمريكي المهيمن مؤقتاً، إذ قال: «إذا لم تعد جميع القوات الأمريكية المتمركزة في أوروبا لأغراض الدفاع الوطني إلى الولايات المتحدة خلال عشر سنوات، فإن هذا المشروع برمته سيكون قد فشل».
رؤية أيزنهاور
ولم تتحقق رؤية أيزنهاور بشأن الدور الأمريكي المؤقت، لكن التحالف صمد مع ذلك. واليوم، فإن تحميل الجيوش الأوروبية قدراً أكبر من المسؤولية لا يعكس نوبة غضب بسبب غرينلاند، ولا مؤشراً على تصاعد الانعزالية، بل يمثل تصحيحاً استراتيجياً طال انتظاره بين حلفاء قادرين، لمساعدة «البنتاغون» على التعامل مع التحديات المتزايدة بسرعة في مناطق أخرى من العالم.
وبموازاة تحدي بناء القوة الصلبة الأوروبية، تبرز حاجة ملحة لأن تُخفف أوروبا من اندفاعها في توظيف «القوة الناعمة» القائمة على القيم. فقد نشأت فجوة خطيرة بين الطموحات الطموحة للقوة الناعمة التي يسعى إليها الاتحاد الأوروبي في بروكسل، و«الناتو»، وبين القدرات العسكرية الحقيقية لأوروبا.
وتُظهر تداعيات المفاوضات الفاشلة لبروكسل مع أوكرانيا بشأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كيف يمكن للإفراط في استخدام القوة الناعمة أن يقود إلى نتائج استراتيجية كارثية على مستوى القارة بأكملها، تقول الصحيفة الأمريكية.
وكان جورج كينان قد حذّر لعقود من أن أي محاولة لدمج أوكرانيا في الغرب ستُعد «خطاً أحمر» بالنسبة لروسيا. وفي عام 2008، حذر وليام بيرنز، عندما كان سفيراً للولايات المتحدة في موسكو، في برقية حملت عنوان «لا تعني لا»، من أن أي تحرك أوكراني باتجاه الغرب قد يستفز رد فعل روسياً. وحتى أنغيلا ميركل كانت لديها مخاوف صامتة من أي صفقات غربية مع أوكرانيا.
ورغم ذلك، تعامل مفاوضو الاتحاد الأوروبي مع الملف الأوكراني باعتباره مسألة اقتصادية وتنظيمية بحتة، من دون أي مخاطر أمنية محتملة. في المقابل، نظرت موسكو إلى العملية باعتبارها تهديداً استراتيجياً كبيراً يهدف إلى تثبيت كييف داخل المعسكر الغربي، تمهيداً لانضمامها إلى «الناتو».
وأشارت إلى أنه إذا أراد الحلفاء الأوروبيون تجنب مثل هذه المآسي مستقبلاً، فعليهم تبني نهج دبلوماسي أكثر حذراً في سعيهم لترسيخ النظام الليبرالي. فالقوة الناعمة وحدها لا تكفي للتعامل مع موسكو.
وفي غياب أي عملية عسكرية روسية مباشرة لدولة عضو في «الناتو» مشمولة بالمادة الخامسة، فإنه لا يمكن توقع أن تؤدي الولايات المتحدة—وسط التزاماتها العالمية الواسعة—دور «صمام الأمان» العسكري لأوروبا في كل مرة تُفرط فيها باستخدام أوراق قوتها الناعمة. ولا خيار أمام الحلفاء الأوروبيين سوى تعزيز قدراتهم العسكرية الردعية إذا أرادوا أن يكونوا قوة موثوقة للاستقرار والتقدم في القارة، تقول «ناشيونال إنترست».
زخم عسكري أوروبي
وتبرز اليوم مؤشرات مشجعة على عودة الزخم العسكري الأوروبي. فإلى جانب التعهدات برفع الإنفاق الدفاعي، تعاونت بريطانيا وفرنسا، وهما عضوان في «الناتو»، مؤخراً في عملية أسفرت عن استيلاء قوات المارينز الفرنسية على ناقلة «أسطول شبح» كانت تنقل نفطاً روسياً خاضعاً للعقوبات. كما أن الاضطلاع بدور بحري أوسع—بالتنسيق مع حلفاء أوروبيين راغبين—لفرض عقوبات النفط الروسية بصرامة، سيكون خطوة في الاتجاه الصحيح.
ومن شأن هذا النوع من العمليات أن يمنح الحلفاء الأوروبيين نفوذاً أكبر للتأثير في شؤون محيطهم المباشر، بما في ذلك مفاوضات السلام بشأن أوكرانيا، التي يقفون فيها حالياً على الهامش، فيما تمسك واشنطن بزمام إدارتها.
وسيبقى حلف «الناتو» قائماً، ولن تتخلى الولايات المتحدة عنه، حتى في ظل أزمة غرينلاند، لكنّ بقاءه مرهون بتطوره؛ إذ يتعين على حلفاء واشنطن أن يصبحوا شركاء عسكريين نِدّيين لها، تقول الصحيفة الأمريكية.
وكان دوايت أيزنهاور «محقاً» في جوهر رؤيته: ففي نهاية المطاف، ستقع على عاتق أوروبا المزدهرة والقادرة المسؤولية الأساسية عن حماية أمنها الإقليمي. و«ناتو» أوروبي أقوى سيبعث برسالة واضحة إلى العالم مفادها أن الديمقراطيات الغربية تمتلك الإرادة الجماعية للحفاظ على قيمها، وصون نظام عالمي مستقر عبر القوة الصلبة.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQg جزيرة ام اند امز