فنلندا تستعد لحروب المستقبل باستراتيجية من 86 عاما
منذ الحرب بين فنلندا وروسيا، تغيرت أساليب الحرب في العقود الماضية، لكن هناك درسًا أساسيًا لا يزال يؤثر على المعارك بالقطب الشمالي.
ووفق صحيفة «بيزنس إنسايدر»، تجبر الغابات الكثيفة والثلوج العميقة الجيوش على السير في طرق ضيقة، ويمكن أن يؤثر تعطيل هذه الطرق بشكل حاسم على مسار المعركة.
وفي شمال فنلندا، لا يزال الجنود يتدربون حتى اليوم على هذا السيناريو بالذات، في حين يستعدون لصدام محتمل في المستقبل في القطب الشمالي.
ومؤخرا، دربت فنلندا نحو 20 جنديًا من حلف شمال الأطلسي "الناتو" في دورة سنوية حول الحرب في القطب الشمالي والتدريب على البقاء على قيد الحياة في درجات الحرارة شديدة البرودة.
وقال الرائد ميكائيل أيكيو، رئيس قسم القطب الشمالي في لواء الصيادين والمسؤول عن الدورة التدريبية، في مقابلة، إن سير المركبات في القطب الشمالي المتجمد والمناطق الغابية الكثيفة، يقتصر على الطرق المفتوحة وطرق الإمداد الضيقة، وهي عوائق محتملة لقوة غازية إذا تم استخدامها بشكل استراتيجي.
هذا القيد، الذي يُعرف في الاستراتيجية العسكرية باسم ”التوجيه“، يعني أنه يمكن إبطاء وتفكيك وتشتيت القوات الكبيرة إذا قام الخصم باحتلال أو مهاجمة أو تعطيل أجزاء حاسمة من الطرق.
حرب الشتاء
وتعود هذه الاستراتيجية إلى حرب جرت قبل 86 عاما، حين غزا الجيش الأحمر فنلندا في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1939 في حملة توقع الكثيرون أن تكون انتصارًا سريعًا، إثر رفض الأخيرة الاستجابة لمطالب الاتحاد السوفيتي بالتنازل عن المناطق الحدودية بالقرب من لينينغراد.
ودخل الاتحاد السوفياتي الحرب بتفوق ساحق من حيث العدد، في حين اعتمدت فنلندا على قوات أصغر بكثير ومجهزة بشكل بسيط.
ومع ذلك، دفع الجيش الأحمر ثمناً أعلى بكثير.
وخلال ما يزيد قليلاً على ثلاثة أشهر من القتال، بلغت الخسائر السوفياتية مئات الآلاف، متجاوزة بذلك الخسائر الفنلندية بشكل واضح، وفق الصحيفة.
وأجبر الفنلنديون القوات المعادية على التراجع إلى مناطق ضيقة وغير محمية أو يصعب الوصول إليها، ثم استخدموا استراتيجية ”موتتي“ لتفتيت الأرتال السوفياتية كما لو كانت حطبًا.
وتعرضت الوحدات المعزولة والمقطوعة عن الدعم لهجمات القناصة وقوات التزلج، مما تسبب في خسائر فادحة وكسر معنويات الأعداء.
إذ وقعت معركة شهيرة على طول طريق رااتي في سوموسالمي، وهو طريق إمداد ضيق في الغابة، حيث تم إجبار الأرتال السوفياتية على السير في خط طويل وعرضة للهجوم.
في ذلك الوقت، قطعت القوات الفنلندية الطريق في عدة نقاط ودمرت الوحدات المحاصرة، ما أدى إلى تكبد الجيش الأحمر خسائر فادحة.
في النهاية، انتصر السوفيات في الحرب، لكنهم دفعوا ثمناً باهظاً مقابل هذا الانتصار.
صالحة في الحروب الحديثة
في السنوات الـ 86 التي تلت نهاية حرب الشتاء، شهدت تكنولوجيا الأسلحة تغيرات جذرية. أصبحت المركبات أكثر قوة، وأجهزة الاستشعار أكثر حداثة، وأنظمة الأسلحة بعيدة المدى أكثر دقة.
لكن استراتيجية فنلندا القديمة قابلة للتطبيق حتى اليوم، وفق بزنس إنسايدر.
في ظل وجود مركبات عسكرية حديثة وأوقوى، لا تسعى فنلندا إلى تكرار ما حدث في عام 1939، بل إلى إجبار المعتدي على الدخول في ممرات يمكن التنبؤ بها، وإضعاف إمداداته، وكسر تماسك قواته، وإرهاق لوجستياته، من أجل إضعافه في النهاية.
ويدعم ذلك قدرات قتالية حديثة مثل القوات الجوية والمدفعية الواسعة النطاق، فضلاً عن القوات الحليفة.