فيليب «بطل الجائحة» بفرنسا.. حملة رئاسية أنيقة وسط العواصف
رابطة عنق وطلة كلاسيكية في مشهد يزداد استقطابا، يمنحان إدوارد فيليب أصالة وجاذبية، لكنهما يصطدمان بعراقيل الحاضر والماضي.
ويعتقد رئيس الوزراء الفرنسي السابق إدوارد فيليب، أن الناخبين المحافظين وحملة كلاسيكية أنيقة، سيدفعونه إلى سباق الرئاسة في مواجهة مع أقصى اليمين العام المقبل.
واحتفظ فيليب، الذي كان في يوم من الأيام حليفاً للرئيس الوسطي إيمانويل ماكرون، بمنصبه كعمدة لمدينة لو هافر الساحلية في نورماندي في انتخابات بلدية متقاربة جرت في مارس/آذار، حيث تغلب على منافسة قوية من قبل الشيوعيين.
عزز هذا الفوز مكانة فيليب باعتباره المرشح الأفضل لمواجهة مارين لوبان أو جوردان بارديلا من حزب التجمع الوطني (أقصى اليمين) في انتخابات رئاسية فرنسية تهدد بإحداث صدمة في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
ومنذ ذلك الوقت، كان السؤال الوحيد هو متى سيخطو فيليب خطوته نحو القصر الإليزيه.
وبالفعل، أطلق حملته الانتخابية خلال تجمع لحزبه «أفق» الأسبوع الماضي، في مدينة ريمس شمال شرق البلاد.
وأوضَح أن خطته لا تتمثل في تصوير نفسه على أنه بديل وسط يلقى قبولاً عاماً في مواجهة (أقصى اليمين)، بل في قيادة حملة ذات توجه يميني واضح.
ويبدو هناك ترجيحات، بأن يكون فيليب مرشحا تلتف حوله أحزاب الطيف السياسي، بمواجهة أقصى اليمين، في المرحلة الثانية من انتخابات 2027، وفق مجلة بوليتيكو الأمريكية.
لكن أكبر مخاوفه الاستراتيجية هي أنه سيحتاج أولاً إلى الوصول إلى تلك المرحلة. لذلك، فإن استمالة المحافظين هي محاولة لضمان أن يكون لديه قاعدة أساسية تحشد له الأصوات في الجولة الأولى.
وقال في خطاب ترشحه: ”أعرف من أين أتيت: من اليمين“، مشدداً على جذوره في الأسرة السياسية المحافظة التي أنجبت لفرنسا رؤساء مثل شارل ديغول وجاك شيراك.
وخلال خطابه الذي استمر ساعة، ركز على عدة نقاط نقاش محافظة: تقليص البيروقراطية، وخفض ضريبة الدخل على الشركات، ومكافحة تهريب المخدرات.
تحديات
ولكن هل يؤتي هذا التوجه اليميني ثماره؟
الخطر المباشر هو أن شخصيات أخرى من يمين الوسط، مثل برونو ريتالو، زعيم حزب «الجمهوريين» المحافظ، ورئيس الوزراء السابق غابرييل أتال، ستحاول التمدد يمينا لحشد الأصوات.
ريتالو، الذي يقف إلى يمين فيليب، يقود حملة متشددة ويعد بخفض الهجرة بشكل كبير، حتى لو تطلب ذلك تعديل الدستور الفرنسي.
أما على يساره، يتبع أتال استراتيجية إعلامية قوية تعتمد على المقابلات ومقاطع الفيديو القصيرة، ويبدو أنه، وفقاً لعدة استطلاعات رأي حديثة، يضيق الفارق مع فيليب.
لكن في الوقت الحالي، فإن التيار السياسي في صالحه. ومع الفوضى التي تعاني منها الأحزاب الوسطية الرئيسية، يُنظر إلى فيليب على أنه المرشح الذي بنى أقوى رابطة مع الناخبين الفرنسيين بعد أن قادهم خلال صدمة جائحة كوفيد.
ورغم ذلك، من المرجح أن تكون جولة الإعادة ضد أقصى اليمين متقاربة للغاية.
وتوقع استطلاع أجرته مؤسسة «إيلابي» في نهاية مارس/آذار حول النتائج المحتملة للجولة الثانية من الانتخابات، أن فيليب قد يتغلب على لوبان بفارق 53% مقابل 47%، وعلى بارديلا بنسبة 51.5% مقابل 48.5%.
ومع ذلك، هناك انتقاد لفيليب بأنه لا يخوض في تفاصيل برنامجه السياسي. فيما قال أرنو روبينيه، عمدة مدينة ريمس وحليف فيليب: «لم يتبق سوى عام واحد على الانتخابات الرئاسية، ولا يمكننا الكشف عن كل شيء».
وأضاف: «لا تبقى الأفكار حية في النقاش السياسي لأكثر من شهرين أو ثلاثة أشهر، وسيكون الفرنسيون قد نسوا الكثير منها عدة مرات بحلول موعد الانتخابات».
تجنب أخطاء الماضي
هناك أيضًا ظل قاتم من التاريخ الانتخابي الحديث يخيم على طموحات فيليب الرئاسية: ذكرى معلمه، آلان جوبيه، وهو رئيس وزراء محافظ سابق آخر كان يُتوقع على نطاق واسع أن يصبح رئيسًا في عام 2017.
كان فيليب المتحدث باسم جوبي خلال تلك الحملة المشؤومة، وشهد بنفسه الإذلال الذي تعرض له جوبي عندما هُزم بشكل غير متوقع على يد منافس متشدد في الانتخابات التمهيدية للحزب عام 2016.
وقال مستشار سياسي محافظ شارك في حملة جوبي، لـ"بوليتيكو": «إنهما [جوبي وفيليب] متشابهان: رجلان دولة تكنوقراطيان ذكيان للغاية ورائعان. فيليب متأثر بتلك التجربة... لكنه تعلم منها".
بدوره، قال فريديريك دابي، خبير استطلاعات الرأي بمعهد «إيفوب»: «الشعبية لا تُترجم بالضرورة إلى أصوات… بل من المفيد أن يكون المرء مثيرًا للانقسام»، بدلا من أن يتمتع بنظرة إيجابية موحدة (مثل فيليب).
وأشار إلى سياسيين مثيرين للجدل لكنهم حققوا نجاحًا، مثل الرئيس السابق نيكولا ساركوزي وجان-لوك ميلينشون، مرشح أقصى اليسار في انتخابات العام المقبل.
ومع ذلك، فإن فيليب يستمد قوته من تعامله الكفء مع جائحة كورونا.
هنا، قال دابي: ”أنا مندهش من حقيقة أنه، بعد ست سنوات، لا يزال يحظى بمثل هذه الثقة بين الفرنسيين“.
حملة أنيقة
في إطار أخطاء الماضي وتحديات الحاضر، يركز فيليب حملته الانتخابية بقوة على اليمين، ويعمل على بناء شبكة شعبية من أنصار الحزب.
وقال روبينيه، عمدة مدينة ريمس: «كان خطأ آلان جوبيه أنه لم يتواصل مع ناخبيه بما يكفي.. لكننا فخورون بكوننا حزبًا يمينيًا».
وعمل فيليب على بناء صورة متواضعة وأصيلة عن نفسه، على أنه "يد ثابتة قادرة على قيادة فرنسا عبر العواصف العالمية".
ونادراً ما ينشر فيليب منشورات على الإنترنت، ولا يملك حساباً على تيك توك، ويقوم بجولات هادئة في أنحاء البلاد بعيداً عن كاميرات التلفزيون.
وقال صديق مقرب من المرشح، طلب عدم الكشف عن هويته حفاظًا على علاقاته: «إدوارد شخص يتحلى بالوقار، يرتدي ربطة عنق، ويتحدث بجدية، لكنه يتمتع بقدر كبير من روح الدعابة. إنه شخص عقلاني للغاية، لكن العقلانية لا تعني الملل».
في المقابل، بدأ أقصى اليمين بالفعل في السخرية من الصورة التي يحاول فيليب تكوينها لنفسه. ووصف بارديلا حملة الأخير الانتخابية بأنها تعود بالذاكرة إلى سبعينيات القرن الماضي.
من جانب آخر، ووفق بوليتيكو، فإن محادثات إبرام تحالف في يمين الوسط، قد تكون مهمة، خاصة مع أتال، الذي قال علنا إنه سيتوصل لاتفاق مع فيليب حول من يخوض السباق في أوائل 2027.