يمين فرنسا في مرسيليا.. «الأجنحة المتناحرة» تفخخ طريق 2027
أجنحة متناحرة أفرزتها هزيمة ثقيلة لليمين الفرنسي بالانتخابات البلدية بمدينة مرسيليا في انقسام يفخخ الطريق نحو انتخابات الرئاسة في 2027.
وتشهد المدينة الواقعة على ساحل فرنسا الجنوبي المطل على البحر المتوسط تصاعدًا في التوتر داخل صفوف اليمين الفرنسي، عقب الهزيمة الثقيلة في الانتخابات البلدية.
وتفجّرت خلافات داخل حزب "الجمهوريون" أدت إلى انقسامات حادة وصراع على قيادة الحزب محليًا بين أجنحة متنافسة، ما يثير شكوكاً حول تأثير الانقسامات على الانتخابات الرئاسية الفرنسية في 2027.
أزمة تتصاعد
في مرسيليا، تتواصل تداعيات الهزيمة الانتخابية التي مُني بها اليمين خلال الانتخابات البلدية، والتي انتهت بنسبة متدنية لمرشحته مارتين فاسال بلغت 5.35% فقط من الأصوات.
وبعد شهرين من هذا السقوط السياسي، تشهد الساحة اليمينية اهتزازات جديدة تعكس عمق الأزمة الداخلية داخل حزب "الجمهوريون"، بحسب صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية.
وأعلنت لور-أنييس كاراديك، رئيسة فيدرالية حزب "الجمهوريين" في إقليم بوش-دو-رون، مغادرتها الحزب والانضمام إلى إريك سيوتي وزعيم تيار "الاتحاد من أجل اليمين"، في خطوة اعتبرت تحولًا لافتًا في الخريطة السياسية المحلية.
وأوضحت الصحيفة الفرنسية أن كاراديك تعد شخصية بارزة في اليمين المارسيلي، إذ كانت مقربة سابقًا من جان-كلود غودان، وشغلت دورًا مهمًا في حملة مارتيـن فاسال خلال الانتخابات البلدية الأخيرة.
تبريرات ودعوات
بررت كاراديك قرارها بغياب "خط سياسي واضح" داخل حزب الجمهوريين، معتبرة أن التحالفات الواسعة مع قوى أخرى لم تحقق النتائج المرجوة في مرسيليا.
وأكدت أن خيارها الجديد يعكس "انتظارات الناخبين"، مشددة على ضرورة تبني خط سياسي أكثر وضوحًا، ومعتبرة أن ما يُعرف بـ"توحيد اليمين" أصبح ضرورة سياسية في المرحلة الحالية.
وأثار هذا الانشقاق ردود فعل متباينة داخل الأوساط السياسية المحلية، ففي حين رحب به بعض ممثلي معسكر إريك سيوتي باعتباره "تصحيحًا للمسار السياسي"، اعتبره آخرون نتيجة مباشرة لفشل الحملة الانتخابية الأخيرة.
وتداولت بعض الأوساط الحزبية شائعات حول وجود تفاهمات سياسية مستقبلية خلف هذا الانضمام، وهو ما نفته كاراديك بشكل قاطع، مؤكدة أن قرارها لم يكن مرتبطًا بأي صفقة انتخابية.
مؤشر لـ2027؟
رأت الصحيفة الفرنسية أن حالة التفكك والانقسامات المتصاعدة داخل صفوف اليمين الفرنسي، خصوصًا في مدن كبرى مثل مرسيليا، تشير إلى مرحلة إعادة تموضع سياسي قد تمتد آثارها إلى الاستحقاقات الوطنية المقبلة.
فالصراعات الداخلية بين التيارات التقليدية والداعية إلى "تجديد الخطاب" تعكس غياب توافق واضح حول هوية اليمين الفرنسي ومستقبله السياسي، وفق المصدر نفسه.
ويرى مراقبون أن هذه التوترات لا تقتصر على بعدها المحلي، بل قد تشكل اختبارًا مبكرًا لقدرة الأحزاب على توحيد صفوفها قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2027.
فكل انقسام أو انشقاق جديد يضعف من تماسك القواعد الحزبية ويؤثر على فرص بناء تحالفات انتخابية واسعة، بحسب الصحيفة الفرنسية.
وفي المقابل، يعتبر آخرون أن ما يحدث اليوم قد يكون جزءًا من إعادة تشكيل طبيعية للمشهد السياسي الفرنسي، حيث تتبلور قيادات جديدة وتيارات أكثر وضوحًا، ما قد يفرز في النهاية معادلة انتخابية مختلفة تمامًا عما كانت عليه في الاستحقاقات السابقة.
صراع على القيادة
ووفقاً للصحيفة الفرنسية، فإن تفاقم الوضع أكثر مع دخول الحزب في صراع داخلي على القيادة المحلية، حيث برزت ترشيحات متنافسة بين شخصيات بارزة كانت حتى وقت قريب ضمن فريق انتخابي واحد.
فمن جهة، أعلنت كاثرين بيلا، المقربة من مارتيـن فاسال، ترشحها بدعم من قيادات داخل الحزب، فيما يمثلها توجه أكثر ارتباطًا بالتحالفات التقليدية.
ومن جهة أخرى، يبرز لودوفيك بيرني، المقرب من رينو موزيليه وحزب "النهضة"، كصوت يدعو إلى "تجديد سياسي" وانتقاد واضح للقيادة السابقة، ما يعكس عمق الانقسام داخل الحزب.
وتشير المعطيات إلى أن حزب الجمهوريين في إقليم بوش-دو-رون فقد نصف أعضائه خلال ثلاث سنوات، ما يعكس تراجعًا تنظيميًا ملحوظًا يزيد من حدة الأزمة الداخلية، ويضع مستقبل الحزب في المنطقة أمام تحديات كبيرة.
وتؤكد التطورات الأخيرة في مرسيليا أن اليمين الفرنسي المحلي يمر بمرحلة إعادة تشكيل حادة، تتداخل فيها الانقسامات السياسية مع صراع القيادة وتراجع القاعدة الحزبية، في مشهد يزداد تعقيدًا بعد كل استحقاق انتخابي.