فرنسا تغيّر بوصلتها الأفريقية.. رهان ماكرون لإنقاذ نفوذ باريس (خبراء)
جولة أفريقية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شملت ثلاث دول، رأى خبراء أنها تهدف إلى إعادة رسم الخريطة الفرنسية للقارة السمراء.
واعتبر الخبراء الذين تحدثوا لـ«العين الإخبارية» أن جولة ماكرون تعبّر عن إعادة تموضع استراتيجي يهدف إلى تجاوز إرث فرنسا الاستعماري وبناء شراكات جديدة أكثر توازنًا، بعيدًا عن الدول الفرانكفونية في أفريقيا.
من جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية الفرنسي جون بيير دوبوا لـ«العين الإخبارية» إن «باريس تسعى إلى إعادة تعريف حضورها في القارة الأفريقية من خلال الانتقال من نموذج النفوذ التقليدي في دول الساحل وغرب أفريقيا الفرانكفونية إلى نموذج جديد قائم على التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والأمني مع دول محورية مثل كينيا وإثيوبيا ومصر».
وأوضح دوبوا أن هذه التحركات تأتي في ظل انكفاء فرنسي متسارع في منطقة الساحل، بعد سلسلة من الانقلابات السياسية وتراجع القبول الشعبي للوجود الفرنسي، إلى جانب تصاعد المنافسة من قوى دولية مثل الصين وروسيا.
وأشار إلى أن هذه الجولة تمثل محاولة لإعادة التموضع في مناطق أقل حساسية تاريخيًا تجاه فرنسا، خاصة في أفريقيا الناطقة بالإنجليزية، وذلك بعد انتكاساتها في دول الساحل الأفريقي، وانسحابها من عدة دول، والتوترات بين فرنسا وساحل العاج وبوركينا فاسو ومالي والنيجر.
«هروب من الإرث الاستعماري»؟
ولفت الباحث الفرنسي إلى أن الخطاب الفرنسي الجديد يركز على فكرة «الشراكة المتكافئة»، في محاولة واضحة للابتعاد عن الصورة التقليدية المرتبطة بالماضي الاستعماري، موضحًا أن هذا التحول لا يزال يواجه شكوكًا في بعض الأوساط الأفريقية، التي ترى أن المصالح الأمنية والاقتصادية لا تزال المحرك الأساسي للسياسة الفرنسية.
وأوضح دوبوا أنه رغم هذا التوجه، تواجه فرنسا عدة تحديات، أبرزها المنافسة الدولية القوية من الصين ودول الخليج وروسيا، وتراجع الثقة السياسية في بعض الدول الأفريقية نتيجة السياسات السابقة.
وتابع أن «البيئة الأمنية المعقدة في مناطق مثل القرن الأفريقي» تمثل تحديًا إضافيًا، موضحًا صعوبة تحقيق توازن حقيقي بين المصالح الفرنسية ومطالب الشركاء الأفارقة.
هل تمثل هذه الدول بديلًا عن الساحل؟
واعتبر دوبوا أن دولًا مثل كينيا وإثيوبيا ومصر يمكن أن تشكل مراكز ثقل جديدة للنفوذ الفرنسي، لكنها لا تمثل بديلًا كاملًا عن الساحل، بل إعادة توزيع للنفوذ بدلًا من تعويضه؛ فالساحل كان يمثل عمقًا استراتيجيًا تقليديًا لفرنسا يصعب استبداله بالكامل.
ورأى أن «فرنسا مضطرة لإعادة تموضعها في أفريقيا، ليس فقط بسبب تراجع نفوذها، بل أيضًا لأن العالم تغيّر. لم يعد بالإمكان الاعتماد على العلاقات التاريخية وحدها، بل يجب بناء شراكات قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل».
وأكد أن «تغيير الاستراتيجية الفرنسية في أفريقيا خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكنه سيُقاس بالأفعال لا بالخطابات»، موضحًا أن الدول الأفريقية اليوم تبحث عن شركاء حقيقيين، وليس عن قوة تحاول إعادة صياغة نفوذها بأساليب جديدة.
ولفت إلى أن فرنسا تحاول اليوم فتح صفحة جديدة في أفريقيا، لكن نجاح هذا التحول سيعتمد على قدرتها على كسب الثقة والتكيف مع واقع قارة لم تعد تقبل بالعلاقات غير المتكافئة.
واعتبر أن جولة إيمانويل ماكرون تمثل تغييرًا استراتيجيًا عميقًا في السياسة الفرنسية تجاه أفريقيا، وليس مجرد تحرك دبلوماسي عابر، مؤكدًا أن فرنسا، بعد تراجعها الواضح في منطقة الساحل، باتت مضطرة لإعادة تعريف أدوات نفوذها، من القوة العسكرية إلى القوة الناعمة والشراكات الاقتصادية.
وأوضح دوبوا أن اختيار دول مثل مصر وكينيا وإثيوبيا ليس عشوائيًا، بل يعكس توجهًا نحو «أفريقيا الجديدة»؛ أي الدول ذات الثقل الاقتصادي والإقليمي، والتي لا ترتبط بنفس الإرث الاستعماري الثقيل الذي يطبع علاقة باريس بدول الساحل.
وأضاف أن ماكرون يحاول تجاوز الصورة التقليدية لفرنسا كقوة وصاية، عبر تقديم نفسه شريكًا في مجالات التكنولوجيا والطاقة والاستثمار.
ورأى أن نجاح هذه الاستراتيجية مرهون بقدرة فرنسا على الالتزام بخطابها الجديد، خصوصًا فيما يتعلق بالاحترام المتبادل وعدم التدخل.
ولفت إلى أن فرنسا لا تبحث عن «بديل» للساحل بقدر ما تسعى إلى «إعادة توزيع نفوذها»، معتبرًا أن زمن الهيمنة الأحادية قد انتهى، وأن المستقبل سيكون لشبكات نفوذ متعددة ومتشابكة.
بدوره، قال أستاذ الفلسفة الكاميروني في جامعة ويتواترسراند بجنوب أفريقيا، والمتخصص في دراسات ما بعد الاستعمار، أشيل مبيمبي لـ«العين الإخبارية» إن التحركات الفرنسية الأخيرة في أفريقيا، بما في ذلك جولة ماكرون، تعكس محاولة لإعادة تشكيل العلاقة مع القارة، لكن ضمن حدود لم تتحرر بالكامل من الإرث الاستعماري.
وأكد مبيمبي أن الخطاب الفرنسي حول «الشراكة المتكافئة» و«نهاية سياسة فرنسا ـ أفريقيا» ليس جديدًا، بل تكرر منذ عقود دون أن يُترجم بشكل كامل إلى سياسات ملموسة.
وأشار إلى أن انتقال فرنسا من الساحل إلى دول مثل كينيا وإثيوبيا يعكس تحولًا اضطراريًا أكثر منه اختيارًا استراتيجيًا، بعد أن فقدت باريس جزءًا كبيرًا من نفوذها العسكري والسياسي في غرب أفريقيا.
ورأى أن هذا التحول يكشف عن أزمة أعمق في النموذج الفرنسي، الذي اعتمد طويلًا على النفوذ الأمني والعلاقات النخبوية.
وأضاف مبيمبي أن التحدي الحقيقي أمام فرنسا لا يكمن فقط في المنافسة مع قوى مثل الصين، بل في قدرتها على إعادة بناء الثقة مع المجتمعات الأفريقية، وليس فقط مع الحكومات.
وشدد على أن أفريقيا اليوم لم تعد ساحة نفوذ تقليدية، بل باتت فاعلًا مستقلًا يفرض شروطه.
ولفت إلى أن دول شرق أفريقيا ليست بديلًا عن الساحل، بل تمثل فضاءً مختلفًا يتطلب أدوات جديدة، وإذا لم تغيّر فرنسا مقاربتها جذريًا، فإنها قد تواجه الإخفاقات نفسها التي شهدتها في مناطق أخرى.
بدوره، قال الباحث الفرنسي في مركز أفريقيا جنوب الصحراء في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، ألان أنتي، لـ«العين الإخبارية» إن جولة ماكرون تمثل جزءًا من «إعادة تموضع استراتيجية» لفرنسا في أفريقيا، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة داخل القارة.
وأكد أن باريس تحاول الانتقال من نموذج التدخل العسكري في الساحل إلى نموذج قائم على الشراكات الاقتصادية والتعاون متعدد الأطراف.
وأوضح أن اختيار دول مثل كينيا يعكس توجهًا نحو شركاء جدد خارج الدائرة الفرانكفونية التقليدية، وهو ما يندرج ضمن ما يسميه «تنويع الشركاء» بدل الاعتماد على مناطق نفوذ تاريخية.
كما رأى أن تنظيم قمة «Africa Forward» في بلد ناطق بالإنجليزية يحمل دلالة سياسية قوية على هذا التحول.
وحذر أنتي من أن هذا التوجه يواجه تحديات كبيرة، أبرزها المنافسة الدولية القوية، خاصة من الصين، إضافة إلى تراجع صورة فرنسا في بعض أجزاء القارة.
كما أشار إلى أن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب استمرارية ووضوحًا في الرؤية، وليس مجرد مبادرات ظرفية.
وأوضح أن هذه الدول لا يمكن أن تعوض بالكامل الدور الذي كانت تلعبه منطقة الساحل، خصوصًا من الناحية الأمنية، لكنها توفر فرصًا جديدة لفرنسا لإعادة بناء نفوذها على أسس مختلفة، أقل عسكرية وأكثر اقتصادية ودبلوماسية.