حلّ أخضر لأزمة وقود الطيران.. فرنسا تطلق ثاني أكبر مصنع في العالم
تستعد شمال فرنسا لاحتضان ثاني أكبر مصنع في العالم لإنتاج وقود الطيران المستدام من نوع “Alcohol-to-Jet” في خطوة تعكس تسارع التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، وتوافر الإرادة لمواجهة أزمة الوقود الحالية التي تفاقمن منذ غلق مضيق هرمز.
المشروع، الذي تقوده كبرى الشركات الصناعية الفرنسية، يمثل رهانًا استراتيجيًا على مستقبل الطيران النظيف، ويضع فرنسا في قلب السباق الأوروبي لإزالة الكربون من قطاع الطيران، بحسب صحيفة "ليزيكو" الفرنسية.
تحالف صناعي فرنسي يقود المشروع
وأعلنت 4 شركات فرنسية كبرى، الثلاثاء، عن تأسيس مشروع مشترك يحمل اسم Rebound، يهدف إلى إنشاء واحدة من أكبر منشآت إنتاج وقود الطيران المستدام في أوروبا بمدينة دونكيرك المطلة على بحر الشمال.
ويضم هذا التحالف شركات تكنيك إنرجي وإيرباص وسافران وتيروس، في خطوة تعكس تنسيقًا صناعيًا غير مسبوق.
ويأتي هذا الإعلان في توقيت بالغ الأهمية، تزامنًا مع تشديد الاتحاد الأوروبي لقواعده التي تفرض على شركات الطيران إدماج نسب متزايدة من الوقود المستدام في عملياتها، ما أطلق سباقًا واسعًا لبناء قدرات إنتاجية جديدة داخل القارة.
سلسلة إنتاج أوروبية متكاملة
يتميز مشروع Rebound بكونه أول مبادرة أوروبية تغطي كامل سلسلة إنتاج وقود الطيران المستدام باستخدام أطراف أوروبية فقط، وغالبيتهم من فرنسا.
وتتولى تكنيك إنرجي قيادة المشروع وتوفير الخبرة الهندسية، بينما تشارك إيرباص وسافران كمستخدمين محتملين للوقود وضامنين لتوافقه مع الطائرات والمحركات. أما تيروس، فتتكفل بتوفير المادة الخام، وهي الإيثانول المستخرج من المخلفات الزراعية والغابات.
وبهذا النموذج، تصبح سلسلة الإنتاج متكاملة بالكامل داخل أوروبا، من المواد الأولية وحتى الاستخدام النهائي في الطائرات.
إحياء موقع صناعي وتحويله إلى مشروع أخضر
وسيقام المصنع على موقع مصفاة قديمة في دونكيرك أُغلقت عام 2016 بعد عقود من التشغيل، ما يمنح المشروع ميزة كبيرة من حيث البنية التحتية الجاهزة والتراخيص الصناعية. ويعزز ذلك من سرعة التنفيذ في بلد تُعرف فيه الإجراءات الإدارية بطول مدتها.
وتسير دونكيرك بذلك لتصبح مركزًا رئيسيًا للصناعة منخفضة الكربون في فرنسا، مع احتضانها بالفعل لمشروعات ضخمة في مجالات البطاريات والهيدروجين.
تقنية تحويل الإيثانول إلى وقود طائرات
ويعتمد المشروع على تقنية “Alcohol-to-Jet”، التي تقوم على تحويل الإيثانول، المستخرج من مصادر نباتية، إلى وقود طائرات عبر سلسلة من التفاعلات الكيميائية.
وتكمن ميزة هذا الوقود في إمكانية استخدامه مباشرة دون الحاجة إلى تعديل الطائرات أو البنية التحتية، مع تقليل كبير في الانبعاثات الكربونية.
ومن المتوقع أن تصل الطاقة الإنتاجية للمصنع إلى 160 ألف طن سنويًا، ما يجعله ثاني أكبر منشأة من نوعها عالميًا، متفوقًا بشكل كبير على المشاريع الحالية في هذا المجال.
رهانات متعددة لمستقبل الوقود المستدام
لا تقتصر تقنيات إنتاج وقود الطيران المستدام على هذا النموذج فقط، إذ توجد عدة مسارات صناعية تعتمد على مواد أولية مختلفة مثل الزيوت المستعملة أو الكتلة الحيوية أو الهيدروجين الأخضر.
في المقابل، تبقى تقنيات أخرى مثل “Power-to-Liquid” واعدة على المدى الطويل، رغم ارتفاع تكلفتها وعدم نضجها الصناعي حتى الآن.
ضغط تشريعي يدفع نحو التسريع
يأتي هذا المشروع في ظل ضغوط تنظيمية متزايدة، حيث يفرض الاتحاد الأوروبي نسبًا متصاعدة من استخدام الوقود المستدام في الطيران، تبدأ بـ2% في 2025 وتصل إلى 70% بحلول 2050. ومع فرض غرامات كبيرة على عدم الامتثال، تجد شركات الطيران نفسها مضطرة إلى الإسراع في تأمين مصادر هذا الوقود.
ورغم أن الوقود المستدام لا يمثل حاليًا سوى نسبة ضئيلة من إجمالي وقود الطيران عالميًا، فإن الفجوة الكبيرة بين الواقع والأهداف تجعل من مشاريع مثل Rebound ضرورة ملحة وليست خيارًا.
ويمثل مشروع دونكيرك أكثر من مجرد مصنع، بل هو مؤشر على تحول استراتيجي في الصناعة الأوروبية، حيث تتلاقى السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا لتحقيق هدف واحد: طيران أكثر استدامة. ومع استمرار السباق العالمي، تبدو فرنسا عازمة على تثبيت موقعها في مقدمة هذا التحول.