صدمة نفطية محتملة.. خسائر الإمدادات تتجاوز أزمتي 1973 و1979 بأربعة أضعاف
واصلت أسعار النفط ارتفاعها الإثنين، مع تصاعد حدة الحرب مع إيران، وهو ما يهدد الإنتاج وعمليات الشحن ويزيد الضغوط على إمدادات الطاقة العالمية.
وقفز سعر خام برنت، المعيار الدولي، لفترة وجيزة إلى 119.50 دولار للبرميل الإثنين، وهو أعلى مستوى له منذ صيف عام 2022 عقب الحرب الروسية في أوكرانيا. كما ارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط، الذي يُنتج في الولايات المتحدة، إلى 119.48 دولار للبرميل في وقت ما خلال التداولات.
وفقا لوكالة أسوشيتد برس، تراجعت الأسعار لاحقا إلى ما دون 100 دولار في وقت لاحق من الإثنين. ومع ذلك، يظل هذا المستوى أعلى بكثير من سعر النفط قبل اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير/شباط، عندما كان النفط يُتداول قرب 70 دولارا للبرميل.
صدمة نفطية جديدة
ويهدد هذا الصراع، الذي دخل أسبوعه الثاني، دولا وبنية تحتية حيوية لإنتاج ونقل النفط والغاز في مختلف أنحاء العالم، في وقت لا تلوح فيه نهاية قريبة للأزمة.
وأدت المخاوف من الهجمات إلى توقف شبه تام لحركة ناقلات النفط في مضيق هرمز، وهو ممر بحري ضيق قبالة سواحل إيران يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية يوميا.
كما خفّضت دول منتجة رئيسية، إنتاجها بسبب قيود التصدير الناتجة عن امتلاء مرافق التخزين لديها. وفي الوقت نفسه، شنت إيران وإسرائيل والولايات المتحدة هجمات على منشآت النفط والغاز منذ اندلاع الحرب، مما زاد المخاوف بشأن الإمدادات.
وقال الأستاذ المساعد للتاريخ والمتخصص في دراسة الآثار الاقتصادية للحروب بجامعة كورنيل، نيكولاس مولدر: "من الناحية الاقتصادية، تمثل هذه الأزمة أكبر صدمة في إمدادات النفط على الإطلاق".
وأوضح أنه مع خفض الإنتاج وإيقاف بعض المصانع، فإن العالم يشهد خسائر في الإمدادات تفوق بثلاثة إلى أربعة أضعاف ما فُقد خلال أزمتي النفط في عامي 1973 و1979.
خسائر متزايدة
وتفاقمت الخسائر الناجمة عن الحرب على الأهداف المدنية وقطاع الطاقة خلال عطلة نهاية الأسبوع، لا سيما مع احتراق مستودعات النفط في طهران عقب غارات إسرائيلية الأحد.
وأدت الحرب أيضا إلى تعطيل سلاسل الإمداد الحيوية. ووفقًا لشركة الأبحاث المستقلة ريستاد إنرجي، يُنقل نحو 15 مليون برميل من النفط الخام يوميًا عبر مضيق هرمز، أي ما يقارب 20% من إنتاج النفط العالمي. ومع تهديد إيران باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، توقفت تقريبًا حركة عبور ناقلات النفط والغاز عبر المضيق.
ويحذر بعض خبراء الطاقة من تداعيات طويلة الأمد لهذه الأزمة. فقد أشار نائب الرئيس والرئيس العالمي لأبحاث النفط الخام في إس آند بي غلوبال إنرجي، جيم بوركهارد، إلى تزايد تخفيضات الإنتاج وقيود التخزين، مؤكدًا أن الأزمة تجاوزت كونها مجرد مشكلة نقل، وأن استعادة الإنتاج ستكون عملية تقنية معقدة قد تستغرق أسابيع أو أكثر.
ومن المرجح أن ترتفع أسعار النفط أكثر خلال الفترة المقبلة. فإذا استمر إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع فقط، يتوقع محللو النفط والغاز في شركة ماكواري للأبحاث أن يصل سعر النفط إلى 150 دولارا للبرميل أو أكثر، وهو ما سيتجاوز الرقم القياسي السابق البالغ نحو 147 دولارا الذي سُجّل قبيل الأزمة المالية العالمية في عام 2008.
اضطرابات مؤقتة
في المقابل، يرى بعض المحللين أن الاضطرابات قد تكون مؤقتة. إذ يتوقع باحثون في أكسفورد إيكونوميكس أن تنخفض الأسعار إلى متوسط 80 دولارا للبرميل خلال الربع الجاري، إلا أنهم أشاروا إلى أن خطر أزمة طويلة الأمد ازداد بشكل واضح.
واستجابة لارتفاع الأسعار، دارت نقاشات حول إمكانية استخدام الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في الولايات المتحدة ودول أخرى. غير أن مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى أعلنت الإثنين، أنها لم تقرر استخدام احتياطياتها في الوقت الحالي.
وقال وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور، بعد ترؤسه اجتماع نظرائه في مجموعة السبع: "لم نصل إلى تلك المرحلة بعد."
وأضاف في تصريحات للصحفيين في بروكسل أن المجموعة مستعدة لاتخاذ خطوات منسقة لتحقيق استقرار الأسواق، بما في ذلك استخدام المخزونات الاستراتيجية إذا لزم الأمر.
ماذا قال ترامب؟
وفي المقابل، قلّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السبت، من أهمية اللجوء إلى الاحتياطي البترولي الاستراتيجي للولايات المتحدة، مؤكدا أن الإمدادات الأمريكية وفيرة وأن الأسعار ستنخفض قريبا.
ومع ذلك، فإن الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز الطبيعي بدأ بالفعل ينعكس على أسعار الوقود، ما يضغط على قطاعات صناعية عديدة، بدءا من وقود الطائرات وأسعار البنزين وصولًا إلى تكاليف الطاقة المنزلية.
ويشير خبراء مثل بوركهارد إلى أن الاقتصادات الآسيوية تُعد الأكثر عرضة للتأثر بالأزمة، نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط.
وتصدر إيران نحو 1.6 مليون برميل من النفط يوميًا، يذهب معظمها إلى الصين التي دعت إلى وقف فوري للقتال. وقد تضطر بكين إلى البحث عن مصادر إمداد بديلة إذا تعطلت الصادرات الإيرانية، وهو ما قد يدفع أسعار الطاقة إلى مزيد من الارتفاع. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غو جياكون خلال إحاطة صحفية الإثنين إن الصين "ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية أمنها الطاقي".
تحذيرات
كما حذر الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ من فرض عقوبات صارمة على مصافي النفط ومحطات الوقود التي يُضبط تورطها في تخزين النفط أو التلاعب بالأسعار، مشيرًا إلى ضرورة البحث عن بدائل للإمدادات التي تمر عبر مضيق هرمز.
وفي أنحاء جنوب شرق آسيا، أدى الارتفاع الحاد في الأسعار إلى طوابير طويلة أمام محطات الوقود.
لكن تأثير ارتفاع الأسعار لا يقتصر على آسيا، بل يمتد إلى مختلف أنحاء العالم. فزيادة تكاليف الطاقة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، ما يضغط على ميزانيات الأسر ويضعف الإنفاق الاستهلاكي، الذي يعد المحرك الرئيسي لاقتصادات كبرى مثل الولايات المتحدة. كما انعكست هذه المخاوف على الأسواق المالية، حيث شهدت أسعار الأسهم تراجعًا حادًا منذ اندلاع الحرب.
وأشار كبير محللي السوق في شركة FxPro، أليكس كوبتسكيفيتش، إلى أن الولايات المتحدة أصبحت مصدّرًا صافيًا للنفط، وهو ما يجعلها أقل تأثرًا بارتفاع أسعار خام برنت وغرب تكساس فوق 100 دولار مقارنة بأوروبا أو آسيا. ومع ذلك، حذر من أن الارتفاعات السريعة في أسعار النفط كانت في السابق من العوامل التي ساهمت في حدوث ركود اقتصادي في الولايات المتحدة.
وقد بدأت آثار الأزمة تظهر بالفعل على المستهلكين الأمريكيين. ففي الإثنين، ارتفع متوسط سعر غالون البنزين العادي في الولايات المتحدة إلى 3.48 دولار، بزيادة تقارب 50 سنتا عن الأسبوع السابق، وفقا لبيانات نادي السيارات الأمريكي AAA. أما الديزل، المستخدم على نطاق واسع في قطاع الشحن، فقد بلغ نحو 4.66 دولار للغالون، بزيادة أسبوعية تجاوزت 80 سنتا.