«مقبرة للنساء فقط».. اكتشاف بجنوب أفريقيا يغير تاريخ التطور البشري
توصل اكتشاف أثري جديد في جنوب أفريقيا إلى أدلة قد تغير فهم العلماء لتاريخ التطور البشري.
أظهرت دراسة حديثة أن أحد أنواع أشباه البشر مارس طقوس دفن منظمة قبل نحو 300 ألف عام، في سلوك يُعتقد أنه كان حكرًا على الأنواع البشرية الأكثر تطورًا.
ووفقًا لما أوردته صحيفة إندبندنت، عثر فريق بحثي داخل كهف "رايزينغ ستار" بالقرب من مدينة جوهانسبرغ على مقبرة قديمة تضم رفات أفراد من نوع "هومو ناليدي"، وهو أحد أقارب الإنسان المنقرضين الذين عاشوا في أفريقيا قبل مئات الآلاف من السنين.

ويقود أعمال البحث عالم الأنثروبولوجيا الشهير البروفيسور لي بيرغر بالتعاون مع الجمعية الجغرافية الوطنية الأمريكية ناشيونال جيوغرافيك، في إطار مشروع يهدف إلى فهم سلوك هذا النوع الغامض من أشباه البشر.
رفات نسائية فقط
وأظهرت تحليلات البروتينات القديمة التي أجرتها الدكتورة باليسا مادوبي من معهد "غلوب" بجامعة كوبنهاغن أن جميع الرفات المكتشفة تعود، بدرجة عالية من الثقة العلمية، إلى إناث من نوع "هومو ناليدي".
ونُشرت النتائج في دورية "سيل" العلمية، حيث يرى الباحثون أن وجود رفات نسائية فقط داخل الموقع قد يشير إلى ممارسة اجتماعية أو تقليد ثقافي مرتبط بدفن النساء في مكان مخصص لهن.

طقوس دفن معقدة
ويكتسب الاكتشاف أهمية استثنائية بسبب طبيعة موقع الدفن نفسه. فالوصول إلى المنطقة التي وُجدت فيها الرفات يتطلب عبور ممرات ضيقة ومتعرجة في أعماق الكهف، ما يرجح أن نقل الجثامين إلى هناك لم يكن حدثًا عشوائيًا، بل عملية مقصودة احتاجت إلى تخطيط وجهد جماعي.
ويعتقد العلماء أن أفراد "هومو ناليدي" اضطروا إلى الزحف عبر هذه الممرات واستخدام مصادر للإضاءة، مثل المشاعل أو النار، للوصول إلى موقع الدفن، وهو ما يُعد مؤشرًا على وجود طقوس جنائزية منظمة وسلوك اجتماعي أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقا.
تحدٍ لنظريات قديمة
ويمثل الاكتشاف تحديًا مباشرًا لإحدى الأفكار الراسخة في علم الأنثروبولوجيا، والتي تفترض أن السلوكيات الثقافية المعقدة، مثل الدفن المتعمد والرمزية الاجتماعية، لا تظهر إلا لدى الكائنات ذات الأدمغة الكبيرة.
فعلى الرغم من أن حجم دماغ "هومو ناليدي" كان أصغر بكثير من دماغ الإنسان الحديث، فإن الأدلة المتراكمة تشير إلى امتلاكه قدرات سلوكية متقدمة شملت الدفن المنظم، واستخدام النار داخل الكهوف، وربما إنتاج أشكال أو نقوش هندسية ذات دلالات رمزية.
إعادة كتابة التاريخ
ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تدفع العلماء إلى إعادة النظر في توقيت ظهور السلوكيات الثقافية المعقدة في تاريخ البشرية، وربما توسيع قائمة الأنواع التي امتلكت قدرات اجتماعية ورمزية متقدمة قبل ظهور الإنسان الحديث بوقت طويل.
ويضيف الاكتشاف فصلًا جديدًا إلى قصة تطور البشر، مشيرًا إلى أن التعقيد الثقافي ربما لم يكن حكرًا على أصحاب الأدمغة الكبيرة، بل ظهر لدى أنواع أخرى من أشباه البشر قبل مئات آلاف السنين، في تطور قد يغير الطريقة التي ينظر بها العلماء إلى جذور الثقافة الإنسانية.