طفيليات السلمون.. مؤشر خفي على تعافي النظم البيئية البحرية
كشفت علب السلمون القديمة عن تطور جهود حماية الثدييات البحرية.
عادة ما ترتبط كلمة "الطفيليات" في الأذهان بالأمراض والأضرار، إلا أن هذه الكائنات تؤدي دورًا مهمًا في الحفاظ على توازن النظم البيئية البحرية. لذلك، يحرص الباحثون على دراستها وفهم كيفية تطورها داخل الكائنات الحية، خاصة الطفيليات المرتبطة بالثدييات البحرية التي تعتمد في غذائها على أسماك يستهلكها الإنسان، مثل السلمون.
وفي محاولة لتتبع هذه الطفيليات، استخدم فريق بحثي علب سلمون محفوظة منذ أكثر من 40 عامًا، لمقارنة التغيرات في أعداد الديدان الطفيلية لدى أربعة أنواع من سلمون ألاسكا خلال تلك الفترة. وكشفت الدراسة، المنشورة في دورية Ecology and Evolution عام 2024، عن ارتفاع مستويات طفيليات الأنيساكيس في بعض أنواع السلمون، مقابل انخفاضها أو استقرارها في أنواع أخرى.
أرشيف علمي نادر
وقالت الدكتورة ناتالي ماستيك، المؤلفة الرئيسية للدراسة، لـ"العين الإخبارية" إنها تدرس الطفيليات التي تصيب الثدييات البحرية، مثل الحيتان والدلافين والفقمات وأسود البحر، والتي تلتقطها عبر تناول الأسماك المصابة.
وأضافت أنها واجهت صعوبة في العثور على بيانات تاريخية أو عينات قديمة من السلمون في شمال شرق المحيط الهادئ، إلى أن تواصلت إحدى شركات فحص المأكولات البحرية مع مشرفها وأبلغته بوجود قبو يضم علب سلمون معلبة جُمعت على مدار أكثر من أربعة عقود.
وتوضح ماستيك: "أدركنا حينها أن هذه العينات يمكن أن تساعدنا في الكشف عن الطفيليات وتتبع تطور الإصابات الطفيلية بمرور الزمن".
وكانت هذه العلب محفوظة لدى رابطة منتجات المأكولات البحرية في مدينة سياتل الأمريكية لأغراض مراقبة الجودة، لكنها تحولت إلى نافذة علمية فريدة لرصد التغيرات البيئية في المحيطات.
وجمع الباحثون عينات من 178 علبة سلمون تعود إلى الفترة بين عامي 1979 و2021، أي ما يقرب من 42 عامًا، وشملت أربعة أنواع من سلمون ألاسكا: السلمون الأحمر، والسلمون الوردي، وسلمون الشوم، وسلمون الكوهو.
ما هي طفيليات الأنيساكيس؟
طفيليات الأنيساكيس هي ديدان أسطوانية تصيب الأسماك البحرية. وتبدأ دورة حياتها ككائنات حرة في المحيط، ثم تدخل السلسلة الغذائية عبر كائنات صغيرة مثل الكريل. وبعد ذلك تنتقل إلى مستويات أعلى من الشبكة الغذائية عندما تتغذى عليها الثدييات البحرية.
كما يمكن أن تنتقل إلى الإنسان عند تناول الأسماك النيئة أو غير المطهية جيدا. وفي حال غياب الثدييات البحرية، التي تمثل العائل النهائي للطفيليات، تتراجع أعدادها ولا تستطيع إكمال دورة حياتها.
وتشير ماستيك إلى أن الطفيليات لا يمكن اعتبارها مؤشرا رسميا على صحة المحيطات، لكنها أيضا ليست دائما علامة سلبية، لأن دلالاتها تختلف باختلاف أنواعها وطرق انتقالها.
لماذا ارتفعت أعدادها؟
أظهرت الدراسة زيادة أعداد الطفيليات في بعض أنواع السلمون، ولا سيما السلمون الأحمر والسلمون الوردي، بينما بقيت مستويات الإصابة مستقرة في الأنواع الأخرى.
وتقول ماستيك إن الباحثين لم يتمكنوا من تحديد السبب بشكل قاطع، لكن هناك عدة فرضيات، منها اختلاف الأنظمة الغذائية لأنواع السلمون، أو تفاوت درجة تداخلها مع مناطق انتشار الثدييات البحرية، ما قد يجعل بعض الأنواع أكثر عرضة للإصابة.
كما أشارت إلى أن الدراسة لم تحدد الطفيليات على مستوى النوع، وهو ما يفتح الباب أمام احتمال أن تكون الزيادة ناتجة عن نوع معين من الطفيليات يفضل إصابة بعض أنواع السلمون دون غيرها.
هل تعكس زيادة الطفيليات تعافي البيئة؟
توضح الباحثة أن طفيليات الأنيساكيس تحتاج إلى أكثر من عائل واحد لإكمال دورة حياتها، ولذلك فإن ارتفاع أعدادها في شمال شرق المحيط الهادئ قد يشير إلى توافر جميع العوائل الضرورية، بما فيها الثدييات البحرية.
وترى ماستيك أن هذا الأمر يعد مؤشرا إيجابيا نسبيا على صحة النظام البيئي في المنطقة، وربما يعكس نجاح جهود حماية الثدييات البحرية التي بدأت منذ إقرار قانون حماية الثدييات البحرية الأمريكي عام 1972، والذي ساهم في تعافي أعداد الفقمات وأسود البحر والحيتان القاتلة وغيرها من الكائنات البحرية بعد سنوات من التراجع.