من باريس إلى واشنطن.. هل يتشكل تحالف غربي ضد «الإخوان»؟ (خاص)
تحركات سياسية وأمنية فرنسية متصاعدة لمواجهة تنظيم الإخوان، بدأت أصداؤها تتردد داخل دوائر القرار في الولايات المتحدة، لا سيما في الأوساط القريبة من الحزب الجمهوري، وسط تنامٍ لتيار غربي يرى أن خطر التنظيم لم يعد محصورًا في البعد الديني.
وفي مقر حزب «الجمهوريين» الفرنسي في باريس، عقد اجتماع بين وفد أمريكي وآخر فرنسي، في 19 مايو/أيار الجاري، في إطار نقاشات حول سياسات مكافحة التطرف ومراقبة ما يُوصف بـ«التغلغل التنظيمي».
واعتبر خبراء سياسيون فرنسيون متخصصون في قضايا التنظيمات المتطرفة وتيارات الإسلام السياسي أن التحركات السياسية والأمنية المتصاعدة في فرنسا تجاه ما يعرف بـ«التحول التنظيمي للإخوان» باتت تثير اهتمام دوائر القرار في الولايات المتحدة.
من باريس.. المقاربة الفرنسية تتبلور سياسيًا وأمنيًا
وإلى ذلك، يقول الأستاذ بجامعة السوربون والمتخصص في شبكات الإسلام السياسي في أوروبا برنار روغييه، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن النقاش في فرنسا انتقل خلال السنوات الأخيرة من المستوى الأكاديمي إلى التشريعي والسياسي، مع تزايد التركيز على آليات التنظيم الاجتماعي والفكري داخل بعض الشبكات الإسلامية في أوروبا.
وأوضح الباحث الفرنسي في العلوم السياسية، أن جزءًا من الإشكالية، من وجهة نظره البحثية، لا يتعلق فقط بالبعد الديني، بل بكيفية تشكل «بنى موازية» داخل بعض الأحياء الأوروبية، ما دفع قطاعات سياسية فرنسية إلى المطالبة بإدراج هذا الملف ضمن مقاربات الأمن القومي الأوروبي، وليس فقط الأمن الداخلي.

وأضاف أن النقاش الحالي داخل فرنسا يعكس رغبة حقيقية تدريجيًا نحو «التعاون لوضع حد للفكر السياسي الديني»، وهو ما يظهر في المبادرات البرلمانية التي طرحت مؤخرًا داخل الجمعية الوطنية الفرنسية.
وأشار الباحث الفرنسي إلى أن اهتمام واشنطن المتزايد بهذا الملف لا يمكن فصله عن التحولات داخل المؤسسة الأمنية الأمريكية، حيث أصبح هناك ميل متزايد نحو مقاربة أكثر شمولًا لمفهوم «التطرف»، لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى البنية الفكرية والاجتماعية التي قد تنتج أشكالًا مختلفة من التهديدات داخل المجتمعات الغربية.
ولفت إلى أن هذا التغيير يجعل من التجربة الفرنسية مصدر متابعة دقيقة داخل بعض دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، مؤكدًا أن النقاشات الجارية بين الجانبين الفرنسي والأمريكي لا ترقى إلى مستوى تنسيق سياسي رسمي، لكنها تعكس في المقابل «تلاقياً في الاهتمامات التحليلية» حول كيفية التعامل مع الشبكات الأيديولوجية العابرة للحدود.
واعتبر أن تبادل الخبرات بين الباحثين والخبراء الأمنيين في البلدين قد يساهم في بلورة أدوات أكثر دقة لفهم هذه الظواهر، حتى وإن ظل كل طرف يحتفظ بنهجه الخاص في التعاطي مع ملف الإسلام السياسي.
عابرة للحدود
من جانبه، قال الباحث الفرنسي أستاذ العلوم السياسية في معهد الدراسات السياسية بباريس دومنيك رينيه لـ«العين الإخبارية»، إن فهم الظاهرة يتطلب النظر إليها كشبكة عابرة للحدود تتداخل فيها الأبعاد الاجتماعية والسياسية والإعلامية، وليس فقط كتنظيم تقليدي.
وأوضح أن أوروبا، وخاصة فرنسا، أصبحت ساحة مركزية للنقاش حول «إعادة تشكيل المجال العام» في ظل تنوع هويات مجتمعية متزايد، مشيرًا إلى أن بعض الحكومات الغربية باتت تبحث عن أدوات أكثر تنسيقًا بين الأمن والفكر والسياسة لمواجهة ما تعتبره «تحديات اندماجية وأيديولوجية».
وأضاف أن الاهتمام الأمريكي بهذه النقاشات لا ينفصل عن التحولات الداخلية في الولايات المتحدة نفسها، حيث تصاعد الجدل حول قضايا الهوية، والتطرف، وحدود حرية التنظيم السياسي والديني.
من باريس إلى واشنطن: تلاقٍ سياسي أم تقاطع مصالح؟
في هذا السياق، أثار استقبال وفد أمريكي في مقر حزب «الجمهوريين» الفرنسي، ومناقشة ملفات مرتبطة بمكافحة التطرف، تساؤلات حول مدى تشكل تقارب غير رسمي في الرؤى بين جزء من اليمين الفرنسي وبعض دوائر الحزب الجمهوري الأمريكي، بحسب صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية .
وبحسب مصادر سياسية فرنسية، فإن النقاشات لم تعد محصورة في الإطار الأمني التقليدي، بل باتت تشمل تبادل الخبرات حول السياسات العامة، والتشريعات المرتبطة بمراقبة التنظيمات ذات الطابع الأيديولوجي.

ورغم ذلك، لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى تشكيل «تحالف رسمي»، بل تبقى المسألة في إطار «تقاطع اهتمام سياسي وأمني» بين ضفتي الأطلسي، في ملف يزداد حضورًا داخل النقاشات الغربية المتعلقة بالإسلام السياسي.
ووفقا للصحيفة الفرنسية فإنه بين باريس وواشنطن، يبدو أن ملف تيارات الإسلام السياسي كما تصفه بعض الدوائر الغربية يتحول تدريجيًا من قضية داخلية إلى موضوع نقاش عابر للحدود، في ظل بحث متواصل عن مقاربات جديدة بين الأمن، والسياسة، والفكر، وسط تباين واضح في التعريفات والتقييمات داخل الغرب نفسه.