سياسة

المسارات الجديدة للعلاقات السعودية الروسية

الخميس 2018.12.6 08:14 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 582قراءة
  • 0 تعليق
د.طارق فهمي

تدخل العلاقات السعودية الروسية مساحات جديدة من التوافق والتلاقي في الفترة الراهنة، بما سيشكل مرتكزا جديا للحركة السعودية في الإقليم بأكمله، خاصة أن التقارب السعودي الروسي سيبعث برسائل سياسية واستراتيجية في الوقت نفسه ليس للولايات المتحدة فقط، وإنما للأطراف الإقليمية والدولية الأخرى، وفي مرحلة مهمة من عمر النظام العربي الذي يواجه بتحديات ومخاطر حقيقية يمكن البناء عليها في الفترة المقبلة.

قوة العلاقات السعودية الروسية سيمكن توظيفها لما هو صالح الملفات العربية المفتوحة، والتي ستحتاج إلى تنسيق عربي تقوده السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومصر، خاصة في الملف السوري والملفين الليبي واليمني
أولا: مع الاتفاق السعودي الروسي على قيام الرئيس بوتين بزيارة إلى السعودية في الفترة المقبلة نكون أمام مرحلة جديدة من العلاقات التي سيرتب عليها البلدان خطوات استراتيجية قادمة، خاصة أن لقاء الأمير محمد بن سلمان والرئيس بوتين في قمة العشرين أكد أن البلدين سيمضيان في مسار نقل العلاقات من المرحلة السياسية إلى المرحلة الاستراتيجية، سواء على المستوى الثنائي أو الإقليمي، ويتجاوز ما هو معلن من الاتفاق المشترك بين البلدين على تمديد اتفاق خفض إنتاج النفط، وأن القرار النهائي بشأن حجم التخفيض لم يتخذ بعد، وهو ما يؤكد أن العلاقات ستدخل في مراحل جديدة تتجاوز التعاون الثنائي التقليدي للدخول في إطار جديد من التعاون العسكري، وهو الأمر المرتقب، والذي سيكون له تداعيات متعددة الاتجاهات والمسارات الحقيقية في التفاعل السياسي والاستراتيجي المشترك.

ثانيا: من اللافت أن التحرك السعودي الروسي لم يبدأ اليوم بل له خلفيات تاريخية وسياسية، وبدأ قبل وصول الرئيس ترامب للسلطة في البيت الأبيض، ويرتبط بالمسار المصلحي الذي اتبعه الجانبان، وإن كانت التحركات السعودية النشطة والمدروسة هي التي عجلت بالتسريع بمعدل الإنجاز في العلاقات ودفعها إلى مرحلة جديدة، وهو ما عمل عليه الأمير محمد بن سلمان طوال الفترة الماضية، خاصة أنه زار موسكو عام 2015، وتلا ذلك زيارات لعدد من المسؤولين السعوديين الآخرين بمن فيهم جلالة الملك سلمان بن عبدالعزيز، وهو ما يؤكد أن الجانب السعودي يخطط جيدا لتطوير نمط العلاقات، وتنميتها بما يخدم مسار المصالح المشتركة والفوائد المتبادلة، والتي عمل عليها الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ويكفي الإشارة هنا إلى أن جلالة الملك سلمان هو أول ملك سعودي يزور روسيا، ويعمل على بناء شراكات حقيقية وواقعية ومصلحية مع الجانب الروسي.

ثالثا: لا يمكن اختزال العلاقات السعودية الروسية في السياق الاستراتيجي، والتركيز على خطة السعودية في امتلاك منظومة الدفاع الاستراتيجي وهي إس إس 400، التي عرضت روسيا على الجانب السعودي امتلاكها واستخدامها، وهو ما سيمثل رسالة للجانب الأمريكي بأن السعودية ورغم تحالفها الاستراتيجي الكامل مع الولايات المتحدة إلا أنها ستعمل على امتلاك أحدث منظومات الدفاع الاستراتيجي؛ بهدف التأكيد على حرية القرار السعودي، وعدم خضوعه لأية ضغوطات سياسية أو استراتيجية من أي طرف بما في ذلك الطرف الأمريكي، والذي يؤكد أن هناك ثوابت في إطار منظومة العلاقات المشتركة لن تتغير أو يمكن الوقوف أمامها، خاصة أن الولايات المتحدة تعمل على جمع الحلفاء في الشرق الأوسط ضمن منظومات محددة، وهو ما سيمثل مرحلة جديدة في إطار العلاقات الاستراتيجية والسياسية التي يعمل عليها الجانبان السعودي والأمريكي، ومن ثم فإن الإقدام على شراء منظومة التسلح الروسي وإدخالها مجال الخدمة سيكون له الأولويات الوطنية السعودية، بصرف النظر عن أية ضغوطات سياسية من أي طرف، خاصة أن السعودية تعمل على تنويع مصادر الحصول على السلاح وعدم الاقتصار على السلاح الأمريكي فقط، وهو ما قد سيجعل الإدارة الأمريكية في حال من التشكك والتخوف من خطوات عربية مقابلة قد تهدد أنماط التحالفات العربية الأمريكية، في ظل المساعي التي تتحرك فيها الإدارة الأمريكية للتعامل مع الدول العربية، بمبدأ حسابات المكسب والخسارة والصفقة التي تعمل بمبدأ النفقة والتكلفة والعائد، وهو ما سيخرج عن إطار أية علاقات قائمة ومحتملة لعلاقات أكثر ندية ووضوحا بين الدول العربية، وعلى رأسها السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومصر وبين الولايات المتحدة، التي تدرك أن حجم التغيرات في الإقليم والتهديدات القائمة تتطلب مراجعة هذه السياسات بصورة واضحة للمواقف والتوجهات الراهنة.

رابعا: إن تداخل الحسابات والمواقف العربية الروسية من جانب والعربية الأمريكية من جانب آخر سيدفع إلى مزيد من تحقيق المصالح السياسية والاستراتيجية لكل طرف، في إطار ما يجري سياسيا واستراتيجيا في الفترة المقبلة، خاصة أن السعودية ستبقى الدولة العربية الأكثر تشددا وتعاملا مع التدخلات الإيرانية ليس في اليمن، وإنما أيضا في سوريا والعراق وأمن الخليج العربي، ومن ثم فإن التساؤلات المتعلقة بكيفية التعامل السعودي مع روسيا وإقامة تحالف سياسي واستراتيجي، في ظل العلاقات الكبيرة بين روسيا وايران، الأمر الذي يتطلب قراءة وحساب المكاسب السياسية الحقيقية لكل طرف من تطوير وتنمية العلاقات المشتركة، خاصة أن المركز الاقتصادي الكبير للسعودية في الإقليم، بل في المحيط الخارجي، سيؤدي إلى مزيد من التوازنات الحقيقية التي يمكن العمل من خلالها مع استمرار الموقف السعودي ثابتا ومتماسكا، على سبيل المثال تجاه الموقف من ايران، والتي ستظل هاجسا حقيقيا للإقليم بكل دوله الذي ما يزال المشروع الإيراني يهدد حضورها، ويعمل على تقويض أركانها السياسية والمجتمعية، والواقع أن قوة العلاقات السعودية الروسية سيمكن توظيفها لما هو صالح الملفات العربية المفتوحة، والتي ستحتاج إلى تنسيق عربي تقوده السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة ومصر، خاصة في الملف السوري والملفين الليبي واليمني.

خامسا: سألت زميلا أكاديميا أمريكيا يعمل معي في الجامعة عن مخاوف الإدارة الأمريكية من التقارب السعودي الروسي، وهل يبعث برسائل من نوع خاص؟ وكانت إجابته أن القيادات الجديدة الصاعدة في الإقليم سواء كانت ممثلة في نموذج محمد بن زايد أو محمد بن سلمان ستغير من وجه المعطيات الراسخة التي يعيشها العالم العربي منذ سنوات، والواقع الذي يمكن تلمس أبعاده أن السعودية أمام مرحلة جديدة من التحديات والمخاطر التي تتطلب إعادة ترتيب بعض السناريوهات وحسن التعامل معها والانفتاح على مشاهد أخرى أكثر حضورا، وترتيبا وتنسيقا بمعنى الكلمة، وهو ما سيجعل للسعودية تأثيرا إقليميا كبيرا حال الانتقال إلى مرحلة تالية من عمر الدولة السعودية بكل معطياتها الراهنة ومكانتها العربية والإسلامية، والتي تجعل من الخليج العربي بؤرة أي تغيير قادم في العالم العربي، بل ستكون هذه المنطقة صانعة للقرار العربي، ومحور المواجهة وبناء السياسات والاستراتيجيات الجديدة على أسس ومقومات متعددة.

سادسا: في إطار ما يعقد من مقارنات واقعية حول شكل ونمط العلاقات السعودية الروسية فإننا أمام عدة سيناريوهات حقيقية، تبدأ بإبداء تحفظات أمريكية معلنة أو غير معلنة على طريقة ما جرى في الحالة المصرية في بعض الأوقات، على اعتبار أن التسليح الأمريكي هو الأساس بالنسبة للجانب السعودي، وأن دخول التسليح الروسي سيكون مكلفا، وهو ما سيدفع لأنماط جديدة من الأمور، ومنها مثلا ما تروج له الولايات المتحدة من أن منظومة الصواريخ ثاد الصاروخية هي الأهم في تاريخ المنظومات الدفاعية على الإطلاق، والتي تتميز عن أس أس 400 التي تسعى السعودية للحصول عليها رغم تكلفتها العالية، وهناك تخوف أمريكي من انفتاح خليجي على السلاح الروسي بما سيؤدي لتداعيات غاية في الخطورة على الجانب الأمريكي ويتجاوز الخسائر المالية فقط، وإنما سيتعلق بنمط السلاح الأمريكي، وقدراته وإمكانياته، وفي ظل الصفقات التي أبرمها الرئيس الأمريكي ترامب طوال الولاية الأولى، وهو ما مكنه من جني ثمارها داخليا، وسيكون لها انعكاس حقيقي في انتخابات 2020، والتي ستكون إحدى أدواته وآلياته في التحرك تجاه إدارة الانتخابات الأمريكية، وفي ظل صراعه الكبير مع الحزب الديمقراطي، خاصة أن قضية عزله ما تزال تعلن عن نفسها رغم نتائج انتخابات الكونجرس ومجلس الشيوخ، والتي أجلت المواجهة إلى انتخابات الرئاسة، والرسالة أن التحولات الراهنة والمحتملة في مسارات واتجاهات العلاقات الخليجية عامة والسعودية خاصة إزاء روسيا ستكون مهمة لنقل رسائل للإدارة الأمريكية، أي كان شكل ونمط وتوجه هذه العلاقات في الفترة المقبلة، ومن المؤكد أن العلاقات الخليجية الأمريكية سيكون لها تحالفاتها المصلحية، والمنفعة الكاملة وهو أمر طبيعي وفي حسابات حقيقية لكل طرف.

سابعا: إن جزءا من إدارة العلاقات الدولية يعتمد على الاختيار الرشيد بين البدائل والسياسات، والانتقال من التحالف الضيق إلى تحالفات أكثر اتساعا وحضورا وتواجدا، وهو ما فعلته السعودية عن اقتناع بوجهة النظر والمصالح السياسية والاقتصادية التي تعلو على أي اعتبار آخر، ومن المؤكد أن السعودية تخطط للمستقبل وفق تقييمات وسياسات كبيرة تؤكد ما تملكه السعودية من قدرات حقيقية قابلة للتطبيق والإنجاز معا ليس تجاه روسيا فقط، وإنما أيضا تجاه دول المنظومة الإقليمية والدولية، وفي ظل ما تواجه المنطقة من تحديات حقيقية، ومخاطر داهمة يمكن أن تؤثر في العالم العربي وتدفع به إلى مساحات من التغلغل الخارجي ومحاولة اختراق دوله التي ما تزال تشهد حالة من عدم الاستقرار السياسي، ولعل ما يجري في سوريا ولبييا واليمن والعراق دليل حقيقي على الاختراق الذي يجري، ويعمل على هدم أركان النظام الإقليمي العربي، وبناء نظام بديل هو المخطط الحقيقي لرسم شرق أوسط جديد.

إن بناء سياسات وتحالفات سياسية عربية دولية ليس مع روسيا بل مع الصين واليابان والاتحاد الأوروبي هو الحل لمواجهة الخيار الواحد والسياسات الوحيدة والحليف الأوحد، وهو بات غير منطقي في عالم تتسع فيه الرؤى، وتتنامى من خلاله التحالفات الجديدة كافة، والتي تستهدف مزيدا من الندية والتوازن في العلاقات، وما تعبر عنه التوجهات الجديدة للسعودية تجاه روسيا، والذي سيبنى عليها مزيدا من السياسات الأكثر مصلحة في الفترة المقبلة.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات