ثنائية الفقر والجريمة.. دائرة مغلقة تهدد الاقتصاد والمجتمع
قال تقرير نشره موقع "إندبندنت إنستيتيوت" إنه لطالما كان هناك نقاش سياسي طويل حول العلاقة بين الفقر والجريمة.
ومن السرديات الشائعة، خصوصًا لدى اليسار السياسي، أن الفقر يدفع الناس إلى الجريمة، عبر افتراض أن من يعيشون في أحياء صعبة ليس لديهم خيار سوى البقاء عبر مخالفة القانون. ويعامل هذا الطرح الجريمة كنتيجة سلبية تلقائية للضائقة الاقتصادية، وكأنها مرض، بدلًا من كونها خيارًا. لكن نظرة أعمق إلى البيانات والاختلافات بين المجتمعات تشير إلى العكس: أن الجريمة هي التي تسبب الفقر بدلًا من أن يكون الفقر سببًا للجريمة.
وبغض النظر عن ترتيب العلاقة السببية الذي يقبله المرء، هناك بالتأكيد علاقة بين الاثنين. فالأشخاص في البيئات منخفضة الدخل يكونون أكثر عرضة للتعرض للجريمة كضحايا، وكذلك لارتكابها. ويقدم علم الاقتصاد تفسيرًا مباشرًا: عندما تكون الفرص المشروعة محدودة، تصبح الجاذبية النسبية للأنشطة غير القانونية أكبر.
لكن الارتباط لا يعني السببية، وهنا يضعف الطرح التقليدي. فإذا كان الفقر وحده يسبب الجريمة، لكانت جميع الفئات الفقيرة تُظهر معدلات جريمة متشابهة، لكنها لا تفعل ذلك.
ومن الأمثلة المضادة مجموعات المهاجرين الآسيويين في الولايات المتحدة. تاريخيًا، وصل عدد كبير منهم هاربين من القمع السياسي والصعوبات الاقتصادية، وغالبًا دون إتقان اللغة الإنجليزية ودون رأس مال اجتماعي يُذكر، وهي ظروف كان من المفترض، وفق نظرية “الفقر يسبب الجريمة”، أن تؤدي إلى ارتفاع معدلات الجريمة.
الجريمة تسبب الفقر
لكن العكس هو الذي حدث عمومًا. فالأمريكيون من أصول آسيوية غالبًا ما لديهم معدلات سجن وجريمة عنف أقل من المتوسط الوطني، بينما يحققون مستويات أعلى من التحصيل التعليمي والتنقل الاجتماعي.
ويُعد الأمريكيون الفيتناميون مثالًا بارزًا، إذ وصل عدد كبير منهم بعد حرب فيتنام دون ثروة تُذكر. وخلال جيل واحد، حققت هذه المجتمعات في كاليفورنيا مكاسب اقتصادية كبيرة، وأصبح دخلهم الوسيط أعلى قليلًا من المتوسط الوطني.
في المقابل، يشكل الأمريكيون السود 13.7% من سكان الولايات المتحدة، لكنهم يرتكبون أكثر من نصف جرائم القتل. وعلى الرغم من وجودهم في أمريكا لفترة أطول من العديد من مجموعات المهاجرين، فإنهم ما زالوا يملكون دخولًا متوسطة أقل.
وهذا يشير إلى أن الفقر وحده لا يسبب الجريمة؛ إذ يمكن لمجموعتين أن تبدآ من ظروف متشابهة ثم تختلفا بناءً على الثقافة والسلوك.
بدلًا من ذلك، فإن الفكرة العكسية، أن الجريمة تسبب الفقر، تبدو أكثر مباشرة وقابلية للقياس، حتى لو كانت أقل شيوعًا.
فبمجرد إدانة شخص بسلوك إجرامي، قد يلازمه هذا القرار لسنوات طويلة. فالسجل الجنائي يضر بفرص العمل، والحصول على السكن، والاستقرار الأسري. كما أن الغرامات والتكاليف القانونية تستنزف الموارد.
وقد كان حجم هذا التأثير هائلًا في الولايات المتحدة. إذ إن أكثر من 70 مليون أمريكي لديهم شكل من السجل الجنائي، وتشير الدراسات إلى أن حتى المخالفات البسيطة قد تخفض الدخل السنوي بنحو 16%. وعلى مستوى الاقتصاد الأوسع، تُقدَّر خسائر الدخل المرتبطة بالسجلات الجنائية بمئات المليارات من الدولارات سنويًا.
حلقة مفرغة
ويخلق هذا فقدان الفرص حلقة مفرغة: إدانة أولى، دخول إلى نظام العدالة، تراجع فرص العمل، عدم استقرار مالي، وزيادة احتمالية العودة للجريمة.
ومع مرور الوقت، يتفاقم هذا الأثر بشكل كبير. فمثلًا، شاب في التاسعة عشرة يُدان بتوزيع المخدرات قد يخرج بعد فترة سجن قصيرة نسبيًا، لكنه يواجه عقودًا من صعوبة العثور على عمل مستقر. وإذا انخفض دخله بمقدار 10 آلاف دولار سنويًا مقارنة بنظير ملتزم بالقانون، فإن الخسارة خلال 40 عامًا تتجاوز 400 ألف دولار، دون احتساب عوائد الاستثمار أو مدخرات التقاعد. ومع إضافة التكاليف القانونية والرقابية، يصبح الضرر الاقتصادي هائلًا.
كما تؤثر السجون على الإحصاءات الاقتصادية العامة. فمعدل البطالة الرسمي لا يشمل السجناء عادة، لأنهم لا يُعتبرون ضمن قوة العمل النشطة. ويرى بعض الاقتصاديين أنه لو تم احتساب السجناء، فقد يتضاعف معدل البطالة—خصوصًا بين الرجال السود.
وتشير الفكرة القائلة إن الجريمة تسبب الفقر أكثر مما يسبب الفقر الجريمة إلى أنها ينبغي أن تكون واضحة: فلا أحد يسعى طوعًا لتوظيف أو إسكان أو الارتباط بأشخاص لديهم سجلات جنائية؛ وبالتالي فمن المنطقي أن يواجه المدانون صعوبات أكبر في تحقيق الاستقرار.