سياسة

الدلالات الوهمية الجديدة للخطاب المراوغ للسياسة القطرية

الجمعة 2018.2.23 10:32 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 338قراءة
  • 0 تعليق
د. طارق فهمي

ما زالت قطر تردد على لسان كبار مسؤوليها خطابا سياسيا مراوغا قائما على التناقض وتكرار المترادفات المتعلقة بالأزمة القطرية، وهو ما يشير إلى أن الجانب القطري غير جاد وغير راغب في التوصل لنقطة توازن جديدة يمكن منها بدء حوار واقعي على أسس ومعطيات جديدة، وفي ظل اتباع سياسة العناد السياسي على كل المستويات، وهو خط من الواضح أنه تمت صياغته بالفعل داخل الأسرة الحاكمة بتنسيق وتخطيط إيراني واضح، ويكرر بنفس الألفاظ والمفاهيم والمصطلحات..

1. لا تدرك قطر أن استمرارها في إدارة الأزمة بهذه الصورة غير المسبوقة في التعاملات العربية الخليجية قد يكون له تداعيات عديدة على الشعب القطري في المدى المنظور، والتي تتعامل معه الأسرة الحاكمة على أنه غير معني ولا يأتي على رأس الأولويات، وكأنه ليس شعبا خليجيا عربيا له طموحاته وحقوقه في التعبير عما يجري من حوله، باعتباره صاحب موقف وتوجه، ومن ثم فإن تنامي حالة المعارضة القطرية داخل وخارج قطر ما زال مرتبطا بتطور الشأن الداخلي لقطر، ولا تريد الدول العربية المقاطِعة التدخل في الشأن الداخلي لقطر، برغم تدخل السياسة القطرية في مناطق مختلفة من العالم، وليس في المنطقة العربية فقط.

الرهانات القطرية على استمرار التعامل مع الأزمة والتعايش معها ليس صحيحا حتى مع التصور بأن التكلفة المالية الباهظة التي تتحملها الدولة القطرية غير مؤثرة وهو أمر غير صحيح؛ فهي تكلفة يدفعها بالتأكيد الشعب القطري الشقيق خاصة مع تبديد ثروته وموارده بصورة واضحة

2. حتى اللحظة الراهنة لم تُراجع قطر سياستها في الإقليم، حيث سيناريو ما يجري -وبعد كل هذه الأشهر من عمر الأزمة- مرتبط شكلا ومضمونا بأن قطر لا تريد أن تقتنع بأن إعادتها إلى الظهير العربي واستعادة مقدرات شعبها تحتاج إلى تكتيك سياسي وإجراءات تطول منهاج عمل الدولة بأكملها، وفي ظل قناعات حقيقية بالتغيير المنشود لما فيه صالح قطر بالأساس ولاستقرار المنطقة بأكملها، وليس قبولا بالمبادئ الحاكمة لإدارة الأزمة القطرية التي لا تزال قطر ترى فيها شروطا، وترى فيها الدول الأربعة المقاطِعة خطوات للتقارب، وليس للضغط على قطر، وهو ما لا يتفهمه المسؤولون في قطر.

3. ليس الحل كما تتوهم قطر بالاستقواء بالولايات المتحدة، ولا بإبرام الصفقات العسكرية، أو تبني خيار توسيع قاعدة العديد، أو تطوير الحوار الاستراتيجي، أو الاتجاه للدول الكبرى لتوظيف المال السياسي لأهداف تتعلق بتغيير زاوية الدعم والمساندة لقطر في الداخل العربي، وفي دوائر صنع القرار المؤثرة في الاتحاد الأوروبي وفي الولايات المتحدة... ومن ثم فإن الرهانات القطرية على استمرار التعامل مع الأزمة والتعايش معها ليس صحيحا حتى مع التصور بأن التكلفة المالية الباهظة التي تتحملها الدولة القطرية غير مؤثرة وهو أمر غير صحيح، وهي تكلفة يدفعها بالتأكيد الشعب القطري الشقيق، خاصة مع تبديد ثروته وموارده بصورة واضحة، وهو ما يجب أن يكون محل نظر في إطار تكالب أسواق المال والسلاح ودوائر التأثير وشركات الميديا ولوبيهات الضغط للعب دور حقيقي مكلف لقطر، ومع ذلك تستمر قطر في القيام به والترويج له وتبني أفكاره، ومن الواضح أنه سيستمر في الأفق المنظور، ولن تتراجع قطر.

4. يعاود وزير الخارجية القطري خطابه الإعلامي والسياسي، مؤكداً أنه لا توجد مساعٍ لحل الأزمة القطرية من جانب الإدارة الأمريكية، وأن أي حوار مع الدول الأربعة المقاطِعة لن يكون على حساب سيادة قطر، وأن الدول المقاطعة سعت لموجات من التصعيد المستقبلي، وأنها كانت تأمل في انهيار قطر واستحضار نظام آخر.. ما هذا العبث واللغو السياسي؟؟ هل هذا هو نمط وتوجه من يدير السياسة الخارجية القطرية، ومن خلفه آخرون يتماشى فكرهم مع هذا الموقف من السعي لإتمام التقارب وإحداث اختراق في المواقف الراهنة.. ما هو الجديد؟ خاصة وأن هذا الكلام وهذه التصريحات تتكرر طوال الأشهر الماضية من عمر الأزمة القطرية.

5. وفقاً لمصادر أمريكية فإن الإدارة الأمريكية الحالية تخطط لخطوة ربما لن تكون في التوقيت الراهن والمنتظر، وطُرحت بصورة غير مباشرة أثناء وعقب زيارة وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون للمنطقة، بالدعوة لمؤتمر يُعقد في كامب ديفيد؛ لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، وإن كان هذا الأمر لا يأتي في أولويات الإدارة الحالية؛ لأنها وبمنطق مصلحي نفعي تحقق مكاسب حقيقية من استمرار حالة التجاذب بين الجانبين، وبدليل الاتجاه الأمريكي مؤخرا لتطوير أسس ومرتكزات الحوار القطري الأمريكي وفقاً لمبدأ النفقة والتكلفة والعائد، ومن ثم فإن الرهان القطري يصب في هذا الاتجاه، وهو الاعتماد على الحليف الأمريكي المنحاز والمؤيد بصورة سافرة للنهج القطري الحالي، حتى لو أبدت الإدارة الأمريكية أنها تحاول إحداث نمط من التوازن بين الجانبين في الخليج على الأرض، إضافة إلى أن العلاقات المصرية الأمريكية الراهنة (ومصر من ضمن دول المقاطعة وستظل) تمر بحالة من عدم وضوح الرؤية والتجاذب في ملفاتها الثنائية وبعض القضايا الإقليمية أيضا، وبالتالي فإن التأكيد على عقد مؤتمر خليجي مصري قطري في مايو المقبل قد لا يكون له الأولوية الراهنة، خاصة وأن الإدارة لديها جدول أعمال متخم بعديد من الملفات الأخرى.

6. ماذا إذن يتبقى من السيناريوهات المتوقعة في إطار القبول القطري بالتوجهات المعلنة لدول المقاطعة؟ والتي يحكمها ضوابط ومعايير لن تتغير ولن يتم التنازل عنها، خاصة وأن المناخ العربي الراهن سيستمر في إطاره، برغم الاستمرار في حالة التجاذب الراهن، والتي ترتبط بالفعل بما يمكن إعادة طرحه في الأجواء العربية قبل القمة العربية المقبلة في الرياض، والتي ستكون قمة مهمة واستراتيجية، ليس فقط لاتخاذ إجراءات وتدابير سياسية متعلقة بالقضية الفلسطينية، وإنما أيضا بالتطورات القطرية والتعامل مع مستجدات المشهد العربي، واحتمالات انفتاحه على بدائل جديدة يمكن البناء عليها، وفي ظل حالة عدم الاستقرار الراهنة في النظام الإقليمي العربي بأكمله، والذي يحتاج إلى مراجعة كاملة تطول معطياته وأسس حركته في الفترة المقبلة، ويتطلب التوقف أمامه، وليظل السؤال المطروح: هل يمكن تأجيل حسم ملف الأزمة القطرية؟ ما دام نهج السياسة القطرية لم يتغير بالفعل، وعلى اعتبار أن هناك أولويات عربية ربما تطرح نفسها هي الأهم، ولها الصدارة على أي اعتبارات أخرى، في مقابل إعطاء فرصة جديدة لقطر لمراجعة سياساتها بالفعل عبر إجراءات مرحلية يتم مراجعتها والحكم عليها، ومن خلالها يمكن وضع أرضية جديدة للحوار المشترك، هذا من خلال الجانب الأمريكي الداعم لقطر، وهو ما يمكن أن يكون مطروحا، ولنحاول مع دولة لا تزال داعمة وراعية للإرهاب.

وستظل المخاوف من أن الإقدام على هذه الخطوة في ظل المعطيات الراهنة قد يؤدي لمزيد من زحزحة إدارة الأزمة على مستوياتها المتعددة، لحين التوصل لسياق محدد نبدأ منه حلاً للأزمة القطرية وحسم مواقفها المراوغة بالفعل، والتي تعيد تكرار خطابها السياسي والإعلامي باعتبار أنه لا توجد أصلا أزمة، وأن قطر ستحضر القمة العربية المقبلة بصرف النظر عن مكان انعقادها، وهو ما كرره وزير الخارجية محمد بن عبدالرحمن آل ثاني مؤخرا.

في كل الأحوال نريد استعادة قطر لسياقها العربي، ودفعها لاتخاذ خطوات شجاعة، وعدم ممارسة العبث السياسي الراهن والممارسات غير المشروعة، وتحميل الأمور أكبر من طاقتها، في ظل توقيت بالغ الخطوة، وفي ظل ما يتعرض له الإقليم العربي من تحديات ومخاطر سياسية واستراتيجية عديدة تجري على قدم وساق، ويجب التحسب لتداعياتها فعليا بإجراءات حقيقية، وليس بأنصاف الحلول وأشباه السياسات.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات