سياسة

السياسات القطرية المراوغة في توظيف المال السياسي

الخميس 2017.9.28 11:16 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 468قراءة
  • 0 تعليق
د. طارق فهمي

تنفذ قطر في التوقيت الراهن أكبر مخطط لتوظيف المال وثروة الشعب القطري في تغيير المواقف والاتجاهات السياسية لبعض الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، بل بعض الرؤى السياسية الرافضة لنهج التدخل القطري في المنطقة العربية، وفي أقاليم مختلفة؛ حيث تتحرك السياسة القطرية عبر مخطط موضوع بصورة مرحلية، وقد اتضح ذلك من خلال توظيف جهاز قطر للاستثمار الذي أصبح في الوقت الراهن محور الحركة القطرية في مختلف بقاع العالم عبر تدخله المباشر لإنقاذ القطاعات الوطنية المتضررة من تداعيات المقاطعة العربية في مجالات عدة، وقد اتضح ذلك من خلال القيام بما يلي:

أولا: سبق أن قام جهاز قطر للاستثمار، الذي تقدر قيمة أصوله بنحو 450 مليار دولار، وهو صندوق المال السيادي الذي تأسس عام 2005 بشراء شركات تابعة للجهاز منها برج آسيا سكوير، الذي يضم مكاتب لشركات عالمية في سنغافورة، مقابل 2.4 مليار دولار؛ حيث يضم المبنى مكاتب شركات عديدة، من بينها جوجل وسيتي غروب، وهو جزء من البرجين اللذين تملكهما شركة بلاك روك في سنغافورة، ودفعت قطر 1960 دولارا للقدم المربع؛ ما يجعل الصفقة واحدة من أعلى صفقات شراء المباني في العالم، كما وافقت المحكمة العليا في الهند لمجموعة صحارى الهندية الاستثمارية لإتمام صفقة بيع 3 من أشهر الفنادق العالمية في بريطانيا والولايات المتحدة، إلى جهاز قطر للاستثمار، وبلغت قيمة الصفقة نحو 772 مليون دولار، لشراء فندق "جروفنر هاوس" في لندن، وفندق بلازا وفندق دريم داون تاون في نيويورك.

ثانيا: أقدمت قطر على الدخول في صفقات شراء أندية ومصارف وعقارات جديدة، ومحاولة شراء أندية رياضية كبرى، ومراكز خبرة واستشارات دولية وإعلامية عديدة، وخاصة في بريطانيا وألمانيا، كما كثف اللوبي القطري في دوائر أمريكية متعددة، ولعل ما قامت به قطر مؤخرا في مخططها لشراء نادي مانشستر يونايتد الإنجليزي من "عائلة جلازرز" الأمريكية وبقيمة 1.5 مليار جنيه إسترليني؛ ما يشير إلى هذا التوجه المحموم والراهن لقطر في محاولة خطب ود الخارج والعمل على تطويعه بالمال القطري، وقد رفض العرض القطري للرقم المقدم، والذي ارتفع بعدها إلى ما يقارب 1.8 مليار جنيه إسترليني.

ثالثا: تسعى قطر لشراء 24 طائرة حربية من طراز تايفون من شركة بي إيه إي سيستمز ، وستكون أول صفقة عسكرية كبيرة مع قطر، وتعد المقاتلات الأوروبية تايفون نتاج مشروع مشترك، بين شركة بي إيه إي سيستمز البريطانية وشركة إيرباص الفرنسية وشركة فينميكانيكا الإيطالية، ويوفر المشروع نحو 40 ألف وظيفة، ويشار إلى أن قطر كانت قد وقعت صفقة مع شركة بوينغ الأمريكية، لشراء طائرات إف 15 بقيمة 12 مليار دولار، وذلك في يونيو الماضي، وصفقة أخرى بقيمة 6 مليارات دولار لشراء 7 سفن بحرية من إيطاليا.

رابعا: رغم التكالب القطري على مخطط توظيف المال بكل صوره، فإن قطر فشلت على سبيل المثال في إثناء شركة ليجند هولدنجز الصينية عن استحواذها على حصة قطر في بنك لوكسمبورج الدولي بي آي إل، مقابل 1.48 مليار يورو؛ ليعكس ذلك ارتباك الحكومة القطرية الذي أسفر عن لجوئها لبيع ممتلكاتها لتوفير السيولة، وتزامنت هذه الصفقة مع إعلان عدد من وكالات الائتمان العالمية خفض تصنيفات الاقتصاد القطري، وتنامي حجم الضغوط، ومن بينها تراجع المؤشر الرئيسي للبورصة مع هروب المستثمرين الأجانب والعرب، وهبوط أسعار الأسهم إلى مستويات لم تصل إليها من قبل، كما انخفضت حصتها في بنك كريدي سويس بشكل كبير، كما انخفضت حقوق شراء الدوحة في البنك السويسري بعد رفع سقف رأس المال المقدر، ويشار أيضا إلى أن مملكة البحرين رفضت مؤخرا عروضا من مستثمرين قطريين، لأكبر عملية بيع سندات، خاصة بعد أن تقدمت الشركات للمشاركة بعطاء لبيع سندات بحرينية بمبلغ 3 مليارات دولار.

على الرغم من واقع الأوضاع القطرية المتردي، يكابر القطريون في الاستمرار في مخطط توظيف المال السياسي لأغراض سياسية ومصلحية على حساب الأجيال القطرية التي ستعاني من ممارسات نظام رافض أن يعود للعقل والاحتكام لمنطق الرشد السياسي

خامسا : اشترت شركة ليجند المالكة لمجموعة لينوفو لأجهزة الكمبيوتر، بنك لوكسمبورغ الدولي الذي تأسس قبل 161 عاماً من بريسيشن كابيتال، وهي ذراع استثمارية لأفراد في الأسرة الحاكمة القطرية، من بينهم رئيس الوزراء القطري السابق، الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، وبالتالي ستجري عملية الشراء في إطار أكبر صفقة استحواذ لها بالخارج، عبر وحدتها بيوند ليب في هونغ كونغ، وفي هذا السياق يمكن تفهم إقدام قطر على بيع بعض الأصول الخارجية، والاستثمارات التي قامت بتسييلها تصل إلى 40 مليار دولار في محاولة لمعالجة أزمة السيولة المتفاقمة بسبب حركة الأموال باتجاه الخارج، كما خفّض جهاز قطر للاستثمار حصته في شركة تيفاني للمجوهرات من 13 إلى 9.5 بالمئة لتجمع نحو 415 مليون دولار، بحسب بنك مورغن ستانلي، كما أعلن بنك قطر المركزي في سبتمبر الجاري عن بيع أذون خزانة حكومية بقيمة إجمالية تبلغ مليار ريال (274.7 مليون دولار) نيابة عن الحكومة القطرية على شريحتين الأولى لأجل 3 و6 أشهر، وبلغت عوائدها 2.25% و2.49%. 

خامسا : قيام جهاز قطر للاستثمار بضخ مليارات الدولارات في البنوك القطرية، بهدف إنقاذها من قلة السيولة خاصة بعد بدء بنوك الدول الداعية إلى مكافحة الإرهاب سحب إيداعاتها، حيث حذر تقرير بنك أوف أميركا ميريل لينش قطر من أنه على الرغم من أن الأصول الأجنبية لجهاز قطر للاستثمار قد تمكنه من الصمود أمام التدفقات الخارجية، فإن زيادة التدفقات الخارجية على المدى الطويل يهدد بتآكل الميزانية العامة، لا سيما أن مطالبات دول مجلس التعاون المحتمل خروجها من القطاع المصرفي القطري تبلغ 35 مليار دولار أميركي، ويمثل هذا الرقم حصة كبيرة تتراوح بين 20-27% من الاصول الخارجية السائلة لجهاز قطر للاستثمار، و كانت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني قد ذكرت مؤخرا أن قطر قد تضطر لخفض الإنفاق الرأسمالي على المشروعات الحكومية إذا اشتد الضرر الذي لحق باقتصاد قطر جراء المقاطعة.

على الرغم من واقع الأوضاع القطرية المتردي، يكابر القطريون في الاستمرار في مخطط توظيف المال السياسي لأغراض سياسية ومصلحية على حساب الأجيال القطرية التي ستعاني من ممارسات نظام رافض أن يعود للعقل والاحتكام لمنطق الرشد السياسي الغائب تماما في إدارة الأزمة في قطر.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات