سياسة

ابن جبر.. ومقدمة ابن خلدون

الخميس 2018.9.13 07:24 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 224قراءة
  • 0 تعليق
أمل عبدالله الهدابي

لا شك أن نشر البعض على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي مقولات وعبارات جاهزة منسوبة لآخرين من المشاهير أو العلماء أو الرواد مسألة منتشرة، بل إن البعض عندما يريد انتشاراً لفكرة معينة لا أساس لها ينسبها زوراً إلى سياسي شهير أو مؤرخ أو فقيه أو غير ذلك ويروجها عبر صفحات "فيس بوك" أو غيرها.

ما فعله أمير قطر السابق بمساعدة ابن جبر، وأكمله الأمير الحالي، هو نموذج لكيفية تدمير الدول ونشر الفوضى فيها، فهما من طبقا نظرية نشر الفوضى في المنطقة العربية بامتياز، وعندما يأتي أحدهم للتباكي على ما يزعم أنها مظاهر لانهيار الدول فهذه هي الحماقة بعينها!

الكثيرون يقعون ضحايا ويروجون الأفكار مجهولة الهوية، أو يختلقون أفكارا وينسبونها لمعروفين، ولكن قد يكون من الغباء أن ينسب أحد مقولة أو عبارات لمفكر بحجم ومكانة ابن خلدون، لا سيما في مقدمته الشهيرة، التي مرت عليها، ولا شك، على عيون معظم المتخصصين والباحثين في العلوم السياسية والاجتماعية!

في تغريدات له نشرها مؤخراً على موقع "تويتر"، نسب رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، إلى المؤرخ العربي الشهير العلامة عبدالرحمن بن محمد بن خلدون مقولات عن بداية ونهاية الدول، جاءت بلغة لا تخفى على باحث انقطاعها عن مفردات المؤرخ المعروف، وتستخدم فيها مفردات لم تكن سائدة في عصر ابن خلدون (1332-1404م)، بل نسجت بلغة آنية لا علاقة لها باللغة والمفردات التي نسج بها ابن خلدون مقدمته الشهيرة.

قصد ابن جبر من تغريداته وصف أوضاع الدول من وجهة نظره، مستعيناً بمقولات مزورة نسبت لمؤرخ معروف، ولكن يبدو أن إلحاح فكرة التشهير والإساءة على عقل ابن جبر قد دفعته إلى تجاهل التحقق من أصل المقولات الزائفة التي لمعت في عينيه، وظن أنه سيفلت بها أو أنه لا يدرك من الأساس أن الكثير مما ينشر في صفحات الإعلام الاجتماعي من مقولات "معلبة" هي مجهولة الهوية أو منسوبة بالخطأ إلى آخرين لا يعرفون عنها شيئا، ويبدو -على الأرجح- أنه سقط فريسة لخداع معاونيه ممن يقدمون له مثل هذه الأفكار الساذجة، للإساءة إلى الآخرين، واستغلوا في ذلك أن ابن خلدون لديه بالفعل نظرية في قيام الدول وسقوطها!

في مجمل الأحوال، فإن ابن خلدون لم يقل في مقدمته "الكل في حالة تأهب وانتظار.. ويتحول الوضع إلى مشروعات مهاجرين.. ويتحول الوطن إلى محطة سفر.. والمراتع التي نعيش فيها إلى حقائب.. والبيوت إلى ذكريات والذكريات إلى حكايات"! كما لم يقل "عندما تنهار الدول يكثر المنجمون والمتسولون والمنافقون والمدّعون.. والكتبة والقوّالون.. والمغنون النشاز والشعراء النظّامون.. والمتصعلكون وضاربو المندل.. وقارعو الطبول والمتفيهقون.. وقارئو الكفّ والطالع والنازل.. والمتسيّسون والمدّاحون والهجّاؤون وعابرو السبيل والانتهازيون" بل قالها شخص مجهول ونسبها ابن جبر إلى ابن خلدون!

قال ابن جبر في تعليقه على هذه العبارات المزيفة "عندما أرى كل هذا الذي يحدث في وطننا العربي وبالأخص ما يجري اليوم في الخليج، لا أجد أصوب وأصدق مما قاله ابن خلدون رحمه الله"، ولكن بعيداً عن فكرة النسب المجهول لهذه العبارات، وما ينطوي عليه ذلك من تصرف معيب لمسؤول بحجم وتأثير حمد بن جاسم بن جبر، فإن ما هو مؤكد أن محاولة ارتداء ثوب الحكمة والتنصل من كل أخطاء القيادة والسياسة في عالمنا العربي مسألة مثيرة للسخرية!

ما فعله أمير قطر السابق بمساعدة ابن جبر، وأكمله الأمير الحالي، هو نموذج لكيفية تدمير الدول ونشر الفوضى فيها، فهما من طبقا نظرية نشر الفوضى في المنطقة العربية بامتياز، وعندما يأتي أحدهم للتباكي على ما يزعم أنها مظاهر لانهيار الدول فهذه هي الحماقة بعينها! ألم يعترف ابن جبر بلسانه في تصريحه الشهير بجريمته في سوريا؟! وهل ينسى دوره كعراب لمخطط إدارة أوباما في المنطقة العربية؟!

الحقيقة لا أجد تفسيراً لمحاولة التذرع بالبراءة والترويج لعبارات زائفة سوى أنه "إن لم تستح فافعل ما شئت"!

بعيداً عن كل ماسبق، كيف يشك ابن جبر -بعد كل ما اكتسبه من خبرات في حياته- في أن النظام القطري يضرب المثل والقدوة عبر التاريخ في الفشل وإهدار ثروات الشعوب ودفع الدول إلى الحضيض؟ وإذا كان يتشكك في ذلك فعليه أن يسأل نفسه: هل يمكن لدولة تمتلك كل هذه الاحتياطات من الثروة الغازية والنفطية أن تهدرها في سبيل نشر الإرهاب والتطرف؟ وهل يمكن لدولة أن تقع فريسة لجماعة تنظيم إرهابي تُختطف خزائنها بتعليمات وتوجيهات قادة النظام؟! إن هذه هي الدروس الحقيقية في سقوط وانهيار الدول، وممارسات ضيوف النظام الإرهابيين في فنادق الدوحة، هي التعبير الجلي لانتشار قارعي الطبول وعابري السبيل والانتهازيين وغيرهم ممن نسب ابن جبر الحديث عنهم زوراً لابن خلدون!

الحقيقة إنني أجد أن نظام الحمدين القطري ورموزه الحاليين والسابقين أفلسوا، وباتت خزائن مؤامراتهم خاوية ولم يعد لديهم من مخزون إساءات بعد أن أفرغوا كل خزائنهم في الإساءة والنيل من أشقائهم، ولكن خابت ظنونهم وفشلت مؤامراتهم وخاب سعيهم، فلم يعد لديهم سوى التقول والاستعانة بالجهلاء في محاولة للإبقاء على ما تبقى من وجود لهم ولو عبر نشر عبارات مسروقة أو مزورة أو لا أساس لها سوى لدى من يحصلون على أموال الشعب القطري مقابل خداع حكامه!!

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات