منوعات

القطية.. تراث معماري سوداني يعكس ثقافة وجماليات البيئة المحلية

الأحد 2018.8.12 11:03 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 230قراءة
  • 0 تعليق
القطية السودانية

القطية السودانية

بمنظرها المخروطي المهيب تتربع "القطية" على عرش العمارة في أرياف وقرى السودان المتناثرة, لتمثل حالة شديدة الخصوصية لهوية العمارة السودانية القديمة التي لا تقاوم زحف الحداثة، بل تضفي إليها من سماتها الجمالية المتجذرة في البيئة السودانية لتمنحها خصوصيتها، ومع مرور الزمن، تحولت "القطية" إلى شكل وملمح جمالي معماري سوداني.

ويوضح الشكل المعماري لـ"القطية" وسمتها التراثية، العوامل التي تفاعلت فيها أنماط ثقافة السكان المحلية المختلفة وقيمهم الثقافية والجمالية مع ظروف بيئة السودان الزراعية خاصة في مناطق السافنا الغنية والفقيرة، وأسهمت البيئة بدورها في ظهور الشكل التقليدي للمنزل الريفي بكل مكوناته وجزيئاته المستمدة مباشرة من البيئة المحيطة.


وتعتبر القطية نمطا من المباني البسيطة غير المكلفة تجمع ما بين البساطة والقوة وأثبتت دوما قدرتها على الصمود وسط الرياح والأمطار والصواعق.

ويتكون البناء من غرفة دائرية مصنوعة من الطين،  وتشيد جدران القطية فى مراحل البناء الأولى من سيقان النبات التي ترص بطريقة أفقية على شكل حلقة ثم تكسى تلك السيقان خارجياً وداخلياً بطبقة من الطين، الذي يضاف إليه بعض الألوان كاللون الأبيض، وفي بعض المناطق يطلى الإطار الدائري بالألوان المصنعة فتمنحها مسحة جمالية.

ثم يرصف السقف بشكل مخروطي من المنتجات الغابية المحلية، كالقش وأغصان وفروع وجذوع الأشجار وألياف اللحاء، وتحوي "القطاطي" في داخلها رموزا تشكيلية أنيقة وأدوات من إبداعات ساكني هذه البيوت الريفية.


تتنتشر القطية في مناطق عديدة من السودان،  في الشرق بمدن القضارف والفاو والشوك،  كما تنتشر في مناطق كردفان وعموم دارفور وفي جنوب السودان، وتختلف إلى حد غير كبير في تصميماتها وزواياها الهندسية بحكم اختلاف المنطقة وطبيعة القبائل ونمط إنتاجهم الزراعي.

ومساحة القطية من الداخل وطول قطرها أمر لا يخضع للأهواء الشخصية بل إن تحديد المقاسات والأبعاد مضمن بشكل خاص في ثنايا ثقافة القبيلة، وتحدده قيم وطقوس موروثة مثل أماكن تربية النشء ومكان استقبال الضيوف، وبناءً على تلك المعطيات قد تحدد مساحتها كما تدخل المكانة الاجتماعية للأسرة كذلك في مساحة البناء، وتحكي حكايات أسطورية كثيرة أن القطية تشبه في شكلها الرحم الذي يخرج منه الإنسان. 

بنى الإنجليز منازل عمال وموظفي سكك حديد السودان وما عرف بـ"الأشلاق" على نفس الشكل المخروطي للقطية، ويعود السر في ذلك إلى أنها تتميز بكونها باردة خلال الصيف وجيدة التهوية ودافئة شتاءً بما تمثله خواص الطين المدهشة،  الذي يوفر ملاذا آمنا للريفيين من شمس السودان اللاهبة في الصيف ولبرودة الشتاء والطقس السيئ المتقلب، وتحوي "القطاطي" بداخلها فناء واسعا رحبا يسع كل الأسرة ومقتنياتها.


وتسور المساحة حولها بأنواع من عيدان وسيقان النباتات،  وخلف القطية تشيد الأسرة أقفاص الطيور وزرائب الأغنام، وفي بعض المناطق يمتد المنزل الريفي محتويا على أرض زراعية صغيرة تزرع فيها الخضروات وأنواع من الذرة سريعة النضج للاستهلاك المنزلي.

ويتجلي المظهر العمراني الفريد للقطية وسط البيئة الطينية الخضراء في موسم الخريف المتجانس مع التضاريس الجغرافية والعوامل البيئية المحلية في تناسق بديع.

وانتقلت "القطاطي"، وهو الجمع الشائع في السودان للقطية، وزحفت ببنائها البديع إلى العاصمة، حيث يتم تشييدها فى المنازل والمطاعم والحدائق العامة كبناء يمنح المكان بعدا تراثيا.

ويقول المهندس المعماري أحمد أبوسن، إن مايميز القطية بشكل خاص هو انسيابيتها الدقيقة وتكيف بنائها مع البيئة.

ويضيف:"الإبداع المحلي الخاص بها يظهر في ارتفاعها عن سطح الأرض ما يجعل الهواء الساخن في فصل الصيف يخرج إلى أعلى ليحل بدلا عنه الهواء البارد، الذي يجعل القطية من الداخل سكنا ملائما ومريحا للسكان في كل فصول السنة".

ويقول إن بناء القطية اليوم يتوافق مع ما يسمى "بالعمارة البيئة" التي تراعي عوامل الطقس والبيئة ودرجات حرارة الشمس أثناء اليوم. مضيفا بأن المهندسين المعماريين الإنجليز استعانوا في تصميماتهم لبعض المنازل والبيوت خلال الحقبة الاستعمارية ببعض الملامح الأساسية لمثل هذا النموذج المعماري في شكل يمزج ما بين الحداثة المعمارية والتراث المحلي.


ويقول الباحث في مجال الفلكلور د. إسماعيل الفحيل، إن القطية تجمع ما بين التراث المادي وغير المادي، فعند الحديث عن شكلها تدخل في حيز التراث المادي شديد الخصوصية والأصالة المعمارية والإبداع، وعند الحديث عن الخبرة المحلية في بناء القطية من نواحي القيم الثقافية والخصائص الحضارية والهوية، يدخل في باب التراث غير المادي، والذي يشمل الأسماء التي تطلق على المراحل المختلفة أثناء عملية التشييد وأسماء المواد المحلية التي تبنى منها والحكايات الأسطورية التي ارتبطت بها.

ويضيف: "القطية نفسها تطورت من أشكال أخرى اخترعها الإنسان، وتوجد اختلافات واضحة في تصميم القطية تبعا لاختلاف التضاريس"، مدللا على امتداد تأثير هذا البناء إلى مناطق كثيرة في أفريقيا وتعدد أشكاله المتميزة بما يعكس ثقافة المكان.

ويوضح الفحيل: "يمكن أن ننظر للقطية اليوم في سياق عالمي جديد يجمع ما بين كونها تراثا معماريا قديما وسياقا عالميا يتعلق بقضية البيئة؛ حيث تعد القطية و(الراكوبة) التي هي عبارة عن مظلة مشرعة الجوانب ومسقوفة بالقش والمواد المحلية، منازل صديقة للبيئة ومنازل نابضة بالحيوية والدفق الجمالي البصري المدهش للإنسان".

تعليقات