فن

في ذكرى رحيله الثانية.. رفيق سبيعي المثال القيمة والحضور الطاغي

الأحد 2019.1.13 03:37 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 190قراءة
  • 0 تعليق
رفيق سبيعي - صورة أرشيفية

رفيق سبيعي - صورة أرشيفية

أن يكون الممثل فناناً بالروح لا بالمعنى المادي للمهنة، وأن يؤدي شخصياته التمثيلية بتوق البدايات رغم سنوات تجربته الفنية الطويلة، ذلك أكثر ما نستذكره عن الفنان السوري الكبير رفيق سبيعي، صاحب الشخصية الشهيرة "أبوصياح"، في ذكرى رحيله الثانية، وقد قضى سنوات عمره كلها، حتى رمقها الأخير يقف أمام الكاميرا، يؤدي شخصياته بهمة شباب رغم سنوات العقد التاسع من عمره، بل أدى في هذا العمر واحداً من أعظم شخصياته على الإطلاق، حين قدم شخصية اليهودي "طوطح" في مسلسل "طالع الفضة" في عام 2011.

ورغم مرور عامين على رحيله ما زال عمر الفنان رفيق سبيعي الفني أكبر من عمر الدراما السورية، ولد سبيعي في دمشق عام 1930 وفي عام 1948 بدأ تجربته الفنية بتقديم عروض كوميدية في المقاهي، وفي بداية الخمسينيات تعرف رفيق سبيعي على النجم الكبير عبداللطيف فتحي الشهير بشخصية "أبوكلبشة"، وسرعان ما صارت شخصية "أبوصياح" من أشهر شخصيات المسرح السوري، قبل أن تنتقل إلى الإذاعة ومنها إلى التلفزيون على يد الفنان السوري الرائد حكمت محسن، الذي أحب الشخصية وراح يكتب لها أدوراً خاصة.

بانتقالها إلى التلفزيون، شهدت شخصية "أبوصياح" نقلة نوعية ثانية على يد صباح القباني، أول مدير للتلفزيون السوري، ليشكل الفنان سبيعي مع الفنانين دريد لحام ونهاد قلعي ثلاثي الكوميديا الأشهر في تاريخ الدراما السورية، وأكثر أعمالها خلوداً "حمام الهنا" و"مقالب غوار".

وفي السنوات الأولى من عمر التلفزيون السوري عمل الفنان سبيعي مع مخرجي تلك الفترة الأشهر سليم قطاية وعادل خياطة وخلدون المالح وجميل ولاية، ومن أعماله في تلك الفترة: برنامج "نهوند" مع الفنان حكمت محسن، والبرنامج التلفزيوني "7×7" مع المخرج خلدون المالح، والذي قدم فيه أشهر أغنياته الشعبية "يا ولد لفك شال"، فيما كانت باكورة شراكته مع الثنائي دريد ونهاد عبر مشاهد تمثيلية كانت تقدم في برنامج منوعات "سهرة دمشق"، وتمثيلية "مطعم الأناقة الجوال"، ثم قدموا معاً اسكتش "عقد اللولو"، قبل أن يقدموا العملين الأشهر "مقالب غوار" و"حمام الهنا".


وخلال هذه السنوات كان رفيق سبيعي يعمل مخرجاً في إذاعة دمشق، فضلاً عن عمله في المسرح القومي، وتقديم الأغنيات الشعبية والمنولوجات، وفي السنوات التالية دخل الفنان سبيعي السينما، ومنذ ذلك الوقت وحتى رحيله لم يغب الفنان عن الدراما السورية.

أخلص الفنان رفيق سبيعي لشخصية "الزكرت" ابن البلد، رجل القيم والمبادئ والحكمة التي يغلفها القوة، وهو ما اجتهد في تكريسه عبر أدواره التمثيلة المتعددة، دون أن يبدو أسيراً لنمطية في الأداء أو الشخصيات، تلك الصفات تجلت بشكلها الأمثل في شخصيته الشهيرة "أبوصياح"، والتي لطالما قال إنه لا يمثل حين يؤديها، فقد تربى في حي شعبي، وكل من حوله كانوا يشبهون أبوصياح إلى حد كبير، فكان جرس اللهجة والأداء راسخين في أعماقه منذ طفولته، وعلى الرغم من أن شخصية "أبوصياح" بدت المحطة الفنية التي صنعت شهرته الواسعة في الوطن العربي، وتوجته بلقب "فنان الشعب"، إلا أنه في قمة نجاحه معها كان يغادرها ليؤدي شخصيات سواها في السينما والتلفزيون، دون أن يهملها، فكان يستدعيها كلما حل أوانها الدرامي.


وهنا يكمن الذكاء الفني للفنان سبيعي، وإخلاصه للفكرة الفنية السامية أكثر من خضوعه للشرط التسويقي والسهل في تقديم شخصياته، فكان من الفنانين العرب القلائل الذي عرفوا على نطاق واسع من خلال "كركتر" تمثيلي بعينه، ولكنه لم يقع أسيراً له، ولم يخاصمه بآن معاً، ولكنه حافظ على صفات شخصية أبوصياح لناحية شهامة ابن البلد والقوة في كثير من أعماله، فاشتهر بشخصية "الزعيم" في مسلسل "أيام شامية"، والمختار "أبوحاتم"، وكبير الحارة في مسلسل "ليالي الصالحية"، قبل أن يعتذر عن تقديم شخصية "الزعيم أبوصالح" في مسلسل "باب الحارة"، ويقدم درساً جديداً في الإخلاص للقيمة الفنية لا للشهرة، إذ طلب تعديل مسار الشخصية لتكون مختلفة عما قدمه في السابق من ملامح شخصية الزعيم، وحين لم يستجب لرأيه فضل عدم تكرار نفسه، والانحياز إلى التجديد في الأداء والشخصيات، والذهاب إلى أقصى المسافة بعداً عما قدمه من قبل بتجسيد شخصية الشيخ سعد الدين الجباوي في مسلسل "الحصرم الشامي"، وهو أحد الأئمة والعلماء الكبار في الشام.

وبينما التصقت شخصية "أبوصياح" بالفنان رفيق سبيعي كعلامة مميزة في تاريخه الفني وتاريخ الفن السوري على الإطلاق، أدى الفنان سبيعي في سنه الـ81 شخصية "طوطح" في مسلسل "طالع الفضة"، التي عدت الشخصية الأهم في الموسم الرمضاني 2011، وقدمت كنموذج للأداء التمثيلي الذي لا يركن إلى تاريخ فني ونجاح كبير، إلا بمقدار ما يستفيد من تجربته الفنية الطويلة ليؤدي شخصياته، إذ جسد تلك الشخصية بأداء ناضج وجديد، وبمزاج عال أكد فهمه لعمل الممثل.


الحديث عن "طوطح" بوصفها الشخصية الأبرز في السنوات الأخيرة للفنان الراحل رفيق سبيعي ليس حديثاً عن الاستثناء، وإنما هو تأكيد للقاعدة الفنية التي كرسها الرجل خلال أكثر من 6 عقود من تجربته الفنية، امتلك خلالها كاريزما الحضور وطغيانه، والصوت التعبيري المهيمن، والجسد الذي حافظ على مرونته رغم تقدم العمر، والقدرة على الخلق والإبداع، وهو ما أثبته من خلال قدرته على تجاوز النمطية في الأداء رغم مئات الشخصيات التي قدمها في السينما والمسرح والتلفزيون.

تعليقات