فن

"سايكو".. مقترح درامي سوري أضعف من أن يصنع مسلسلاً

الأحد 2018.11.11 04:55 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 2211قراءة
  • 0 تعليق
"سايكو".. مقترح درامي أضعف من أن يصنع مسلسلاً

"سايكو".. مقترح درامي أضعف من أن يصنع مسلسلاً

مثقلة بالمشاكل الدرامية، جاءت الكوميديا السورية "سايكو" التي تعرض الآن على قناة "لنا"، نقطة ضعفها الأساسية كانت في النص، الذي بدا مثل كرة ثلج متدحرجة، تكبر أزمته مع تتالي الحلقات، وقد عانى من عدم نضج في الفكرة ومقترحها القصصي وما ترتب على ذلك من ضعف في الصراع والحبكة.

ندرك أن الكوميديا فن خاص، وأن الكتابة الكوميدية ليست مثل سواها من أنواع الكتابة الدرامية، ولكنها في الآن نفسه مثل تلك الأنواع تماماً، وفهم التشابه بالمبنى والاختلاف بالمعنى هو سر العمل الكوميدي الناجح، إذ يكمن التشابه في البناء الدرامي المتماسك للحكاية ومتطلباته، ويكمن الاختلاف في مقاصد العمل واهتماماته والموضوعات التي يتم التركيز عليها والتصميم الهزلي لأساليب سردها، وصولاً إلى تفاصيل تتعلق بآليات إدارة الحدث الدرامي والحوارات فيه.

في المبنى يحتاج النص الكوميدي مثل أي نص آخر إلى فكرة وشخصيات وحبكة وحوار وصراع وإيقاع، وذلك كان أكثر ما عانى منه نص "سايكو".


تدور فكرة العمل حول صراع بين الصحفية وصال وبين مجموعة من الفاسدين يسعون للحصول على قرص مدمج يفضح فسادهم بحوزة وصال، مما يورط عائلتها ومحيطها في مشاكل كبيرة، ومع قيام هؤلاء الفاسدين بوضع وصال في مستشفى الأمراض العقلية للتخلص منها، تقوم توأمها "دلال" بالجلوس عوضاً عنها في المشفى، ليتاح لأختها الخروج وتقديم القرص إلى الجهات المعنية ولكنها تتفاجأ بفقدانه، فتبدأ رحلة البحث عنه.


وبالتسليم أن تقليدية الحكاية لا يعيبها، مادام الأساس هو أسلوب معالجتها، كان من المنتظر أن تشكل الفكرة السابقة مدخلاً لإثارة أسئلة إشكالية يثيرها صراع الصحفية المشاكس مع مجموعة من المتنفذين الفاسدين، إلا الفكرة بدت بكماء مبتورة بالمعنى الدرامي، إذ افتقرت إلى القضية التي يفترض أن تشغل كاتب النص ويحمّلها لشخصياته، ولنسأل أنفسنا، ما الخطاب الدرامي الذي يريد صناع العمل توجيهه إلى الجمهور من خلال هذه الفكرة؟ وهنا نحن لا نناقش عمق هذا الخطاب ونبالته، وإنما نكتفي فقط بالسؤال، ماذا يريد "سايكو" أن يقول؟

قد يبرر البعض، النقطة السابقة، بما يقوله المنظرون، وأتفق معهم حوله من أن "الضحك في الكوميديا في الضحك يسوي كل الخلافات"، ولكن القاعدة تقول أيضاً "بأن الضحكات تأتي بشكل طبيعي حين يستدعي البناء الكوميدي ذلك"، وأضيف على القاعدة وأقول: إن أي تصميم هزلي في الكتابة الكوميدية لابد أن يخلص إلى مقولات، تشكل الفكرة ملامحها الأساسية حكماً، والفكرة هنا "صراع بين فاسدين وصحفي يسعى لفضحهم"، فأين المقولة القائمة على هذه الفكرة؟


إذا كانت الفكرة هي اللبنة الأساسية التي يقوم عليها النص الدرامي، فإن الشخصية هي حامل تلك الفكرة، والناطقة بمراميها والمراد منها، وفي كتابه "فن الشعر" يحدد أرسطو مواصفات هذه الشخصية بأنها لابد أن تكون بطبيعتها وفكرها وسلوكها قادرة على القيام بوظيفتها الدرامية، وأن يصدر عنها كلمات وحركات وإيماءات تتماشى مع طبيعة شخصيتها وفكرها، وأن يمتاز كل ذلك بالصدق الواقعي بما يضمن وجودها الطبيعي المقنع غير المفتعل، وهنا نسأل كيف طُرح شكل شخصية "وصال" وطبيعتها وعلاقاتها مع الشخصيات الأخرى، هل ثمة في سلوكها أو كلماتها أو إيماءاتها ما يعكس طبيعتها وفكرها بوصفها صحفية تؤمن بقضية عادلة وتسعى لفضح الفاسدين حتى لو كلفها هذا وضع عائلتها كلها في وسط الخطر؟

بالمقابل كانت شخصيات الأخت التوأم "دلال" والعمتين "ناجية" و"حكمت" والجدة "نجدت" تمتاز بالصدق الواقعي أكثر من شخصية "وصال"، وقد ظهرن بطبيعة وسلوك وأفعال تنسجم وطبيعة ومقترح شخصياتهن الدرامية، لكنهن افتقرن إلى حد ما، وعلى نحو متفاوت من موقعهن كشخصيات ثانوية، إلى دور في تحريك الحدث وتطويره، ولاسيما "دلال" التي انتهت فعالياتها الدرامية في تحريك الحدث مع دخولها إلى مشفى المجانين عوضاً عن أختها، فيما بدت الجدة "نجدت" منذ البداية تقريباً خارج دائرة الفعالية تماماً.

الحبكة في "سايكو" بسيطة، تعاني من بطء في حدثها الصاعد، ورغم أنها تحفل بمفاصل تعرقل السير الطبيعي للأحداث، إلا أن هذا التعقيد في الحبكة يفتقد إلى التشويق الكافي، ربما يعود ذلك إلى طبيعة الصراع المصمم بشكل هزلي، وهذا لا يعيب العمل بالمناسبة، شريطة إلا يكون على حساب إيقاع العمل و ألا يرهق الاستمرارية بالترهل والإطالة، وألا تحدث انقطاعات في السرد، ولا نقصد هنا بالانقطاع ذلك الذي يحرف أحياناً عجلة السرد إلى مشهد خارج السياق، فتلك هي طبيعة الكوميديا، وإنما نقصد بذلك الانقطاع الناتج من غياب التوتر الدرامي الذي يدفعنا لانتظار متابعة الحدث.


 للأسف وقع "سايكو" في فخ التصميم الهزلي للصراع، على نحو لم يكن شاقاً على من تفوته عدة حلقات العودة لمتابعة العمل بيسر ووضوح.

كل المشاكل السابقة يمكن ردها إلى اعتقادنا بأن الفكرة المقترحة ومعالجتها القصصية، كانت أضعف من أن تصنع مسلسلاً، لذلك لم تفلح إمكانيات كاتبي سيناريو العمل، اللذين لا نشك بتميزهما في أعمال سابقة، في العبور بالمسلسل إلى ضفة آمنة، وأكثر من ذلك أرخى مأزق النص بظلال ثقيلة على الأداء التمثيلي، على نحو يمكن فهم الجدل الذي أثير حول أداء الفنانة أمل عرفة لخمس شخصيات في العمل على أنه نتيجة للإشكاليات التي عانى منها النص، كما شرحناها أعلاه، فالفنانة عرفة ممثلة محترفة خبرنا قدرتها في تلوين الأداء واللعب المشهدي، ولو تعاملنا مع شخصياتها الخمس بمعزل عن النص، لما وجدنا ضعفاً في أن تؤديها عرفة وتقدمها مجتمعة في مشهد واحد، ولكن ما بدا مشكلة في أداء الشخصيات الخمسة، كان في الحقيقة عيباً في بنائها الدرامي، حتى كدنا في كثير من التفاصيل المتعلقة بفعاليتها الدرامية، نحسب أنها كتبت لشخصية واحدة أو اثنتين، ثم وزعت على الشخصيات الخمس.

تعليقات