التحوط ضد تداعيات حرب إيران.. الدولار الملاذ الأقوى
في خضم تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، تصاعدت حالة القلق وعدم اليقين في الأسواق العالمية وسط مخاوف متزايدة من وتيرة ضغوط تضخمية متسارعة في الطاقة والغذاء دفعت المستثمرين والأفراد إلى التحوط بملاذات آمنة.
تنويع الثروات
في هذا السياق، ذكرت CNBC الأمريكية في تقرير حديث أن الأسواق المالية حول العالم تعرضت لصدمة ملحوظة في الشهر الأول لحرب إيران، مع أداء مفاجئ لبعض الأصول بالنظر إلى التجارب التاريخية السابقة.
وتعرض الذهب والسندات الحكومية لخسائر حادة منذ بداية الحرب، رغم اعتبارهما تاريخياً بمثابة "ملاذ آمن في أوقات الأزمات"، في الوقت الذي حقق فيه النفط والدولار أرباحًا. وتراجع الذهب في المعاملات الفورية لجلسة الإثنين 6 أبريل/نيسان الجاري 0.4% إلى 4654.99 دولار للأوقية (الأونصة). وزادت العقود الأمريكية الآجلة للذهب 0.1% إلى 4684.70 دولار للأوقية.
وذكرت CNBC أن استراتيجيات إدارة الثروات لدى الأثرياء تشهد تحولًا ملحوظًا بعد عقود من الاعتماد على مركز مالي عالمي واحد لإدارة الأصول.
وأوضحت أن هذا النهج التقليدي بدأ يتراجع، حيث تتجه العائلات الثرية حاليًا إلى توزيع أصولها واستثماراتها، بل وحتى مقار إقامتها، عبر أكثر من دولة، في إطار رؤية أكثر مرونة لإدارة الثروة.
وبحسب خبراء، فإن هذا التوجه يعكس اعتماد استراتيجية تنويع أوسع نطاقًا، تقوم على التعامل مع الدول المختلفة كما لو كانت مكونات داخل "محفظة استثمارية" متكاملة، بهدف تقليل المخاطر وتعظيم العوائد.
وفيما يتعلق بتنويع الاستثمارات، أشار التقرير إلى أن هذه الاستراتيجية تقوم على توزيع الأموال على فئات أصول متعددة، تشمل الأسهم والسندات، إلى جانب صناديق الاستثمار المتداولة والعقارات، بما يعزز من استقرار الاستثمارات في مواجهة تقلبات الأسواق.

خريطة الملاذات الآمنة.. والأصول المستقرة
وفي تحليل خاص لموقع "العين الإخبارية"، استعرض أستاذ التمويل وعميد كلية التجارة الأسبق بجامعة الزقازيق الدكتور محمد الشوادفي، خريطة الملاذات الآمنة التي يتوجه إليها الأفراد والدول في ظل الاضطرابات والتوترات الجيوسياسية.
وأوضح الشوادفي أن الأفراد يبحثون دائماً في أوقات الأزمات عن وسيلة لحفظ مدخراتهم بعيداً عن تقلبات السوق، حيث يبرز التوجه نحو الأسهم في الشركات الدولية البعيدة عن مناطق الصراع، بالإضافة إلى اللجوء للمعادن النفيسة مثل الذهب والفضة والنحاس، بجانب الاستثمار في العقارات.
وأكد الدكتور الشوادفي أن الهدف الجوهري من هذه التحركات هو الحفاظ على القيمة الشرائية للنقود وتقليل المخاطر، خاصة وأن الحروب يتبعها بالضرورة ارتفاع في معدلات التضخم وانخفاض في القوة الشرائية للعملات المحلية.
وفي مقارنة بين المعادن، أشار إلى أن الذهب يظل الملاذ الأفضل عند النظر للفترات الزمنية الطويلة، بينما تبرز الفضة كخيار استثماري أفضل خلال الفترات القصيرة. كما نصح بالتوجه نحو الأراضي، وبخاصة الأراضي الزراعية البعيدة عن مواطن الخطر، أو العقارات البعيدة عن ساحات الحروب، معتبراً أن السندات الممولة من الحكومات تعد خياراً استثمارياً أكثر أماناً من الأسهم في الشركات الصغيرة والمتوسطة.
أما على صعيد الدول، فقد أوضح الشوادفي أن استراتيجيات الاستثمار تختلف بناءً على مدى القرب من مصدر النزاع وحجم التهديدات القائمة، مشدداً على أن الاستثمار في الإنتاج يظل هو الخيار الاستراتيجي الأمثل للدول.
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن الإنتاج، سواء في القطاعات الصناعية أو الزراعية أو التعدينية، هو الذي يعظم قيمة الدولة ويخلق قوتها الاقتصادية، حيث يعد المحرك الأساسي لمعدلات النمو والضمانة الحقيقية لاستقرار اقتصاديات الدول في مواجهة تداعيات الحروب.
ونقلت شبكة CNBC عن المخطط المالي المعتمد وكبير استراتيجي الثروات في شركة أندرسون للاستراتيجيات المالية شون أندرسون، قوله إن تطبيق استراتيجية التنويع بشكل سليم يُسهم في تقليل حدة التقلبات، مع تعزيز فرص تحقيق عوائد أعلى.
وأوضح أن أداء فئات الأصول يختلف باختلاف الأوضاع الاقتصادية والمالية، مشيرًا إلى أن امتلاك محفظة استثمارية متنوعة يتيح للمستثمرين فرصًا أكبر لتحقيق مكاسب، إذ غالبًا ما تحقق بعض الأصول أداءً إيجابيًا حتى في ظل ظروف سوقية متباينة.
وفي رصد دقيق لرحلة الأصول الاستراتيجية عبر العامين الماضيين، استعرض الباحث في شؤون الذهب والمجوهرات ومدير الذهب للدراسات الاقتصادية الدكتور وليد فاروق، تطورات المشهد المالي العالمي، رابطاً بين القفزات القياسية التي شهدها عام 2025 والتحولات الدراماتيكية التي عصفت بالأسواق مع مطلع عام 2026، مؤكداً أن الصراع بين العوامل الجيوسياسية والمؤشرات الاقتصادية رسم خريطة جديدة للاستثمار.
الدولار الأقوى والخيار الأفضل
وتابع الباحث في شؤون الذهب والمجوهرات ومدير الذهب للدراسات الاقتصادية، أنه مع اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية في نهاية يناير/كانون الثاني، كان من الطبيعي توجه المستثمرين نحو الأصول والملاذات الآمنة، وهو ما أدى لارتفاع أولي، ثم توالت موجات من الهبوط والارتفاع.
وبين أن الذهب يتحرك حاليًا تحت تأثير عوامل متضادة؛ فهو يتأرجح بين قوة الدولار والسندات من جهة، وبين التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط من جهة أخرى، كما يتأثر بأسعار النفط وتكلفة الإنتاج ومعدلات التضخم، وأي مؤشرات تهدئة سياسية أو تصريحات من "ترامب" تؤدي فورًا لتراجع الدولار وتحرك أسعار الذهب.
وقد أدت حرب إيران إلى تحول استراتيجي في الطلب على الملاذات الآمنة، حيث يتجه المستثمرون الآن نحو الدولار الأمريكي بدلاً من الذهب، وفقًا لخبراء السوق.
وانتعش مؤشر الدولار بقوة بعد انخفاضه بنحو 10% في عام 2025، مما عزز مكانته كعملة مهيمنة خلال فترات عدم الاستقرار الجيوسياسي.
وارتفع الدولار بنحو 1.6% في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، مسجلاً أفضل أداء ربع سنوي له منذ أواخر 2024، مدعوماً بمكانة الولايات المتحدة كمصدر للطاقة، ولجوء المستثمرين إلى السيولة النقدية في ظل حالة عدم اليقين العالمية، وفق "رويترز". في المقابل، انخفضت أسعار الذهب بأكثر من 10% منذ بداية حرب إيران.
واستطرد فاروق مؤكداً أن قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تظل هي المحرك الرئيسي للأسواق العالمية.
وأشار إلى أن التوقعات تشير إلى استمرار سياسة التيسير النقدي، لكن وتيرة خفض أسعار الفائدة تعتمد بشكل كلي على مؤشرات التضخم وسوق العمل، حيث إن أي إشارات حول تأجيل خفض الفائدة تمنح قوة إضافية للدولار، وهو ما ينعكس سلبًا بشكل مباشر على وتيرة صعود الذهب والفضة.
واختتم بالإشارة إلى السوق المحلي في مصر، حيث نجد أن سعر المعادن النفيسة يتأثر بثلاثة عوامل رئيسية: السعر العالمي، وحركة العرض والطلب، وسعر صرف الجنيه أمام الدولار.
ونبه إلى ملاحظة وجود فجوة سعرية في الآونة الأخيرة ناتجة عن حالة من التحوط لدى التجار، خاصة مع ترقب القرارات الاقتصادية المحلية المتعلقة بسعر الصرف، مؤكداً أن الذهب في مصر لا يزال يمثل الوعاء الادخاري الأول للمواطنين للحماية من تقلبات العملة، وهو ما يفسر استمرار الطلب المرتفع رغم مستويات الأسعار الحالية.