خبير فرنسي: الفضة قد تتحول إلى معدن استراتيجي يقود اقتصاد القرن الحادي والعشرين
اعتبر الاقتصادي الفرنسي المتخصص في أسواق المعادن والطاقة، الدكتور فيليب شالمان، أستاذ الاقتصاد ورئيس مرصد الأسواق العالمية للمواد الأولية، أن مستقبل الفضة قد يكون أكثر إشراقا مما يتوقعه كثيرون.
وقال شالمان، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن العالم يعيش حالياً ثورة صناعية جديدة قائمة على الطاقة النظيفة والرقمنة، وهو ما يمنح الفضة أهمية استراتيجية متزايدة.
وأوضح أن التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية والذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة الطلب على المعادن ذات الخصائص التكنولوجية العالية، وفي مقدمتها الفضة.
وأضاف أن الفضة تمتلك ميزة لا يملكها الذهب، وهي أنها تجمع بين صفتين اقتصاديتين في آن واحد؛ فهي من جهة معدن ثمين يُستخدم في الاستثمار، ومن جهة أخرى مادة صناعية لا غنى عنها في الاقتصاد الحديث.
كما رأى أن هذا المزيج قد يجعلها أحد أكثر المعادن طلباً في العقود القادمة، محذراً من أن أسعار الفضة ستظل شديدة التقلب بسبب ارتباطها بالاقتصاد الصناعي العالمي. فإذا تباطأ النمو الاقتصادي أو انخفض الطلب الصناعي، فإن ذلك قد يضغط على الأسعار بسرعة.
مستقبل الفضة في الاقتصاد العالمي
وأشار الخبير الاقتصادي الفرنسي إلى أنه في النهاية قد لا تحل الفضة محل الذهب كأهم ملاذ آمن في العالم، لكن دورها في الاقتصاد الحديث يزداد أهمية عاماً بعد عام. وأوضح أن الذهب سيبقى رمزاً للاستقرار المالي، بينما تتحول الفضة تدريجياً إلى معدن استراتيجي يجمع بين الاستثمار والصناعة والتكنولوجيا.
ولفت إلى أنه مع استمرار التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي، قد يصبح السؤال الحقيقي في المستقبل ليس ما إذا كانت الفضة أكثر قيمة من الذهب، بل إلى أي مدى يمكن لهذا المعدن أن يقود اقتصاد القرن الحادي والعشرين.
وفي ظل التحولات الاقتصادية العالمية وتسارع الانتقال إلى الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة، يعود معدن الفضة إلى الواجهة بقوة في الأسواق العالمية.
فبينما ظل الذهب لقرون طويلة رمزاً للثروة والملاذ الآمن، بدأت الفضة تفرض نفسها لاعباً أساسياً في الاقتصاد الحديث، ليس فقط كمعدن ثمين، بل أيضاً كمادة صناعية حيوية تدخل في الصناعات المتقدمة مثل الطاقة الشمسية والإلكترونيات والبطاريات.
وقالت مجلة "كونفيرزاسيون" العلمية الفرنسية إن أسعار الفضة شهدت في بداية عام 2026 تقلبات حادة تعكس حساسية هذا المعدن للأوضاع الجيوسياسية والاقتصادية. ففي 29 يناير/كانون الثاني 2026 بلغ سعر الأونصة نحو 105 يوروهات، قبل أن يتراجع إلى 62 يورو في منتصف فبراير/شباط، ثم يعاود الارتفاع إلى أكثر من 71 يورو في أوائل مارس/آذار.
وأوضحت أن هذه التقلبات الكبيرة جعلت البعض يطلق على الفضة لقب «معدن الشيطان» بسبب تقلباته التاريخية، لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام نقاش اقتصادي واسع: هل يمكن أن تصبح الفضة أكثر أهمية من الذهب في الاقتصاد العالمي الحديث.
الفضة.. الثروة الحقيقية عبر التاريخ
وأشارت المجلة الفرنسية إلى أن التاريخ يقدم مفارقة مثيرة؛ ففي القرن السادس عشر انطلق المستكشفون الإسبان إلى أمريكا اللاتينية بحثاً عن الذهب وأسطورة «إلدورادو» الغنية بالكنوز، لكن الواقع كان مختلفاً، إذ اكتشفوا كميات هائلة من الفضة بدلاً من الذهب.
وبين عامي 1550 و1660 دخل إلى أوروبا نحو 18 ألف طن من الفضة، مقابل ألفي طن فقط من الذهب، ما جعل الفضة في تلك الفترة واحدة من أهم مصادر الثروة الاقتصادية.
هذا الدور التاريخي لم يأتِ من فراغ؛ فالفضة والذهب شكلا معاً أساس الأنظمة النقدية في العالم لقرون طويلة، منذ العملات المعدنية في الإمبراطورية الرومانية وحتى نظام المعيار المعدني المزدوج في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
وشهد عام 2025 مستويات قياسية في أسعار الذهب، لكن أداء الفضة كان أكثر إثارة. فقد تضاعف سعرها أكثر من ثلاث مرات ليصل إلى أكثر من 100 يورو للأونصة في بداية عام 2026.
لكن هذه الارتفاعات لم تستمر طويلاً، إذ شهد السوق تصحيحاً سريعاً مع تغير التوقعات الاقتصادية العالمية، خصوصاً بعد تعيين كيفن وورش رئيساً للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. وقد أدى ذلك إلى توقعات بانخفاض التضخم وارتفاع قيمة الدولار، ما انعكس مباشرة على أسعار المعادن.
ورغم هذه التراجعات المؤقتة، فإن العديد من الخبراء يرون أن العوامل الأساسية الداعمة للفضة ما زالت قوية، خصوصاً الطلب الصناعي المرتبط بالتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والتكنولوجيا الرقمية.
غالباً ما توصف الفضة بأنها «ذهب الفقراء»، وهو وصف يعكس دورها التقليدي كملاذ اقتصادي في فترات عدم الاستقرار. فعندما تتصاعد التوترات الجيوسياسية أو تزداد المخاوف من التضخم، يتجه المستثمرون إلى المعادن الثمينة لحماية ثرواتهم.
وكما يحدث مع الذهب، فإن الفضة تستفيد أيضاً من عوامل اقتصادية مثل ضعف الدولار وانخفاض أسعار الفائدة الحقيقية. كما يمكن أن تشكل حماية جزئية من تآكل القدرة الشرائية في أوقات التضخم، وإن كانت هذه الحماية أقل استقراراً مقارنة بالذهب.
وفي السنوات الأخيرة بدأت بعض الدول في تعزيز احتياطاتها من المعادن الثمينة في إطار ما يعرف بظاهرة تقليل الاعتماد على الدولار، وهي خطوة تقودها بشكل رئيسي روسيا وبعض الاقتصادات الناشئة.
معدن أساسي في الصناعة
لكن ما يميز الفضة عن الذهب بشكل حقيقي هو دورها الصناعي المتزايد. فبينما يعتمد الطلب على الذهب أساساً على الاستثمار واحتياطيات البنوك المركزية، فإن ما بين 50 و60% من الطلب على الفضة يأتي من القطاع الصناعي.
وتُستخدم الفضة في مجموعة واسعة من الصناعات، أبرزها الألواح الشمسية في قطاع الطاقة المتجددة، والبطاريات الكهربائية، والمكونات الإلكترونية الدقيقة، والأجهزة الطبية مثل القسطرة والأطراف الصناعية.
ويعود ذلك إلى خصائصها الفريدة، إذ تُعد أفضل موصل كهربائي بين جميع المعادن، كما تتميز بمقاومة عالية للتآكل.
ومع توسع الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي أصبحت الفضة عنصراً مهماً في مراكز البيانات وأنظمة الحوسبة المتقدمة، ولهذا السبب أعلنت كل من الولايات المتحدة والصين مؤخراً تصنيف الفضة ضمن المعادن الاستراتيجية أو الحرجة للاقتصاد.
رغم الطلب المتزايد، يواجه سوق الفضة تحدياً كبيراً يتمثل في محدودية العرض. فالفضة لا تُستخرج في معظم الأحيان كمعدن رئيسي، إذ إن نحو 70% من الإنتاج العالمي يأتي من مناجم متعددة المعادن، حيث يتم استخراجها كمنتج ثانوي خلال تعدين النحاس أو الزنك أو الرصاص أو الذهب.
ويتسم إنتاج الفضة أيضاً بتركيز جغرافي كبير، إذ تأتي أكثر من 60% من الإنتاج العالمي من خمس دول فقط: المكسيك، والصين، وبيرو، وبوليفيا، وتشيلي.
وأصبحت الصين لاعباً مؤثراً في هذا السوق، خاصة بعد إعلانها قيوداً على بعض صادرات المعادن في مطلع العام الجاري، ما زاد المخاوف بشأن استقرار سلاسل التوريد العالمية، وفقاً للمجلة الفرنسية.