سياسة

محمد بن سلمان يقتحم ولا يبالي

الإثنين 2018.12.3 09:06 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 460قراءة
  • 0 تعليق
فيصل العساف

في غمرة التحديات التي واجهت مؤسس الدولة السعودية الثانية، بطل نجد كما يوصف في كتب التاريخ، الرجل القوي الذي طرد الأتراك المحتلين من البلاد، وفي عام 1234 هـ تحديداً، كان الإمام تركي بن عبدالله - الجد الرابع للأمير محمد بن سلمان - يقيم وحيداً في مدينة ضرما جنوب الرياض، عندما جاءه نذير يطالبه بالهرب بسبب وصول رجال حاكم الدرعية - يومها - في إثره لغرض إلقاء القبض عليه، أو قتله ربما، لكن تركي بن عبدالله اختار الحل الصعب، إذ تحرك ليلاً إلى حيث يتحصّنون، وبعد أن تمكن من السيطرة على الحارس في الخارج أمره أن يطرق الباب، فلما فتحوه صرخ فيهم بلهجته النجدية قائلاً: «خيّال العوجا وأنا تركي».

إن أوجه الشبه بين هذه الرواية التاريخية، وبين ذهاب محمد بن سلمان إلى الأرجنتين عديدة لمن أراد الجمع بين الحادثتين، إلا أن أهمها وأبرزها من وجهة نظري أن عزيمة الرجال وشجاعتهم كفيلة، في حد ذاتها، بأن تفرق الحشود وتهزم الجموع ثم يولّون الدبر

تذكرت هذا المشهد التاريخي وأنا أشاهد اقتحام ولي العهد السعودي قمة العشرين، التي أقيمت في الأرجنتين، بعد قرابة الـ60 يوماً من التحريض ضده فيما باتت تعرف بقضية خاشقجي. سيل هادر من البرامج التلفزيونية والمقالات الصحفية على مستوى دولي، جميعها سنّت سكاكينها في سبيل تشويه سمعته ومن ثم التخلص منه ومن مشروعه الكبير! في الحقيقة، كل ذلك لم يثن الأمير الشجاع عن مواصلة جهده الرامي إلى بلوغ نهايات التحدي، الذي رسمه لنفسه وللسعودية بلا كلل أو ملل، ولا حتى التريث قليلاً بالالتفات إلى الوراء، حيث ترك أولئك الطامحين إلى عزله عن العالم.

تاريخياً، سبق للسعودية ولثلاث مرات أن أوكلت وزيراً ينوب عن الملك في ترؤس وفدها الرسمي إلى قمة زعماء العشرين، حدث ذلك في المكسيك 2012 وروسيا 2013 عندما ترأس الوفد الدكتور إبراهيم العساف، نيابة عن الراحل الملك عبدالله، وكذلك كان العساف حاضراً في ألمانيا 2017 ممثلاً للملك سلمان، ولذلك يمكن القول إن ولي العهد لم يكن مضطراً للسفر إلى الأرجنتين في ظل الظرف المحتقن الراهن، الذي تعلوه أصوات النشاز المنحازة إلى تحييده، لكنه أبى في الحقيقة إلا أن يثبت للعالم بأسره أنه محمد بن سلمان، الرجل القوي الذي تزيده التحديات صلابة وإصراراً، في بوينس آيرس كان الأمير متفرداً عن الجميع في سرقة الأضواء، التي تسلطت عليه تراقب حركاته وسكناته، لقد نجح في لفت الانتباه إلى أمر غاية في الأهمية، وهو أن مكانة السعودية المرموقة لا تحجبها مشاغبات هنا أو مماحكات رديئة الصنع هناك، وأنها به تمضي إلى حيث تريد وقت ما تشاء ولا تبالي.

بالعودة إلى قصة الإمام تركي بن عبدالله أعلاه، والتي كانت مقدمة لاستعادة الملك الممتد لأسرة آل سعود العريقة على رغم النوايا الشريرة للدولة التركية، التي عاثت في السعودية قتلاً وإفساداً قبل بزوغه، فإن الإمام بعد أن اقتحم الحصن قتل من خصومه اثنين، فيما فر البقية وعلى رأسهم ابن حاكم الدرعية، الذي هادن العثمانيين وقدم إليهم فروض الولاء والطاعة بعد أن استولى عليها في أعقاب حملة المأفون إبراهيم باشا.

إن أوجه الشبه بين هذه الرواية التاريخية، وبين ذهاب محمد بن سلمان إلى الأرجنتين عديدة لمن أراد الجمع بين الحادثتين، إلا أن أهمها وأبرزها من وجهة نظري أن عزيمة الرجال وشجاعتهم كفيلة، في حد ذاتها، بأن تفرق الحشود وتهزم الجموع ثم يولّون الدبر.

نقلا عن "الحياة"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات