ثقافة

"كتاب أوضاع العالم 2018" يستعرض بدائل الفكر الغربي

الثلاثاء 2018.1.16 02:58 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 336قراءة
  • 0 تعليق
"بحثا عن بدائل" ترجمة جديدة من مؤسسة الفكر العربي

"بحثا عن بدائل" ترجمة جديدة من مؤسسة الفكر العربي

"بحثاً عن بدائل" هو عنوان "أوضاع العالم 2018" الذي صدرت ترجمته العربية حديثاً عن مؤسّسة الفكر العربي، وقد عالجه 33 أكاديمياً وباحثاً، وأشرف عليه الأكاديمي برتران بادي والمؤرّخ دومينيك فيدال. 

تمّ اختيار موضوع الكتاب انطلاقاً من السجال الدائر حول ازدهار البدائل والخيارات التي يقترحها الفكر الغربي منذ زمن، والتي جعلت منه أكثر تفوّقاً على الثقافات الأخرى، لا بل "شكّلت العلامة الفارقة لهذا الفكر" على حدّ تعبير بادي، الذي يرى أن "فكرة التعدّدية ذاتها سلكت مسالك طويلة في الفكر الغربي، وفكرة الخيار البديل تبدو كواحدة من نتائجها ومُفضياتها المنطقيّة".

ويرى بادي في افتتاحيته أنّ "المواطن أصبح حذراً إزاء الأحزاب ومُرتاباً بها، وبالمؤسّسات أيضاً، ويتصوّر نفسه مستهلكاً سخيفاً للوجبات الغذائية السياسية الصناعية في مقاصف وجباتها السريعة، المنتجات البديلة لا تنفكّ تغزوه: الهويّات المفرطة الغلوّ، النقمة التي ترتدي رداء كراهية الأجانب، وأكباش فداء أو ضحايا محرقة من كلّ نوع. العنف هنا في الغرب يجد أرضيّة خصبة، وتلتحق ديمقراطية الأمس بسفاهة السلطويّات كافة، والذين يمانعون يهمَّشون، ويوضعون في عالم الطوباوية الذي تتعرّض مثاليته للسخرية، في حين يصبح بعض ديكتاتوريّي الشرق أو الجنوب شعبيين في الشمال وفي الغرب.

"أوضاع العالم 2018" هو ملفّ البحث عن البدائل، والبدائل هنا هي الكثرة، أو ما يسمّيه برتران بادي ب"التعدّدية" أو الفكرة الحاضرة أبداً في الفكر الغربي، الذي يتعقّل فكرة الخيار البديل كما لو كانت في طبيعة الأشياء، وتصحّ وتكون مقبولة في بلدان تقول بالتمثيل والانتخابات والأحزاب والتنظيمات، وتلجأ إلى التداول وتعتمد التغيير وغيره. لكن آخرين سيقولون إن هذا الخيار ليس حقيقة وإنما هو تورية، وليس واقعاً وإنما بيان وبلاغة. والكاتب يتساءل: "متى كانت اللعبة الدولية توفّر بداية خيار بديل؟" وهو يذكّر شأن زملائه فردريك لوبارون ودلفين آليِّس، بمارغريت تاتشر، وشعارها الشهير "ليس ثمّة من خيار بديل" “There is no alternative” الذي تحوّلت الأحرف الأولى منه (تينا أو (TINA إلى الاسم الذائع لسياستها، وسياسةِ من سار على نهجها في الثمانينيّات من القرن الماضي، من "الليبيراليّين الجدد".

مقاومة البدائل ومعوّقاتها

قد تكثر البدائل في "أوضاع العالم 2018"، لكن عوامل العرقلة والكبح والتجميد تمنعها من المرور. وللمعرقلين فلسفة قوامها القول كما يلاحظ فردريك لوبارون أن الاقتصاد عِلم. بل إنه علم مطلق "يعلو على كل الخيارات السياسية ويحلّ محلّ السجال والمناظرة". وهكذا فإن الأزمة التي اندلعت مع أزمة الرهن العقاري الأمريكية، لا تزال في عُرف كاترين ساماري متواصلة تستصرخ البدائل. إن العلم الاقتصادي يفرض في "طبعته" الأمريكية "أصولية السوق" العالمية أو "سلفيّتها"؛ أصولية ربما كانت في أصل تساؤل روبير بواييه عن ماهية الهرطقة الاقتصادية أو "البدعة الاقتصادية". ويبقى أن الأصوليّة "تاتشرية" في جوهرها لا تُحِلُّ خياراً ولا تُبيح بديلاً. وحيثما غاب الخيار أو التخيير كما كان المتكلّمون يقولون يحلّ "التسيير"؛ وهذا ما يفسّر "الجبرية" التي تحكمُ النظام السياسي اليوم: "جبريةٌ" مثالها القول بأنه "لا بديل عن العولمة" وأن من جاء بشيء غيرها فلن يُقبَلَ منه.

وفق هذه النظرة، لا غرابة في أن تكون الشركات المتعدّدة الجنسيّات معادية لكلّ خيارٍ بديل وفقاً لإيفان دو روي. جواب هذه الشركات الدائم هو أنّه ليس بالإمكان أحسن مما كان. وماذا يمكن أن يكون أحسن بالنسبة إليها من نظام تستطيع أن تتهرّب فيه من جباية ضريبيّة كان يمكن أن تصل إلى 26 تريليون (26.000 مليار) دولار من الضرائب؟ من جهة ثانية، هناك مقاومة الإصلاحات من قبل النخب، وتتولّاها في حالة فرنسا مثلاً الجماعات الضاغطة في ميدانَي المال والذرّة كما يبيّن دومينيك بليهون؛ فضلاً عمّا تضيفه إليها دلفين بلاسيدي- فروت، من العرقلة والكبح والتجميد الذي تعاني منه المؤسّسات الكبرى المتعدّدة الأطراف.

وقبل هذا وبعده، هناك ما يسمّيه جان كارتييه-بريسّون فساد النظام، أو الفساد المنتظم الممنهج، والذي يعني في رأيه "الفساد الذي أصبح عنصراً لا يُستغنى عنه لبقاء نمط الضبط والانتظام السياسي-الاقتصادي القائم"؛ وثمة عامل آخر يرصده برونو كوتريس، وهو محافظة الطبقات السياسيّة، إذ ثمّة استياء سياسيّ يمتدّ إلى ما وراء السلطات العموميّة، ويتعدّاها ليصل إلى المؤسّسات وإلى معايير العملية الديمقراطية. لكن أوّل العقبات التي يتناولها كتاب "أوضاع العالم 2018" هي تلك التي يشير إليها تريستان ماتلار، الذي يلاحظ بأن ثمّة اختلالاً في دفوق المعلومات العابرة للقوميّات، لا يزال قائماً منذ سبعينيّات القرن الماضي، أي منذ أيّام احتجاجات حركة عدم الانحياز.

التجارب البديلة

ومن عوامل العرقلة والكبح والتجميد إلى التجارب البديلة، وهي بتوصيف الكتاب تجارب هشّة. وأولى هذه التجارب عند سيرج وليكوف كانت الشيوعية، التي لا يزال للحركات المُنتمية إليها حضور متفاوت في سائر القارّات، ومنها الصين "الجديدة" التي يتساءل دومينيك باري عمّا إذا كانت لا تزال تشكّل مثالاً يحتذى ويقلّد. فقد استأصلت الفقر بين عامي 1978 و2015، وارتقت إلى مرتبة القوّة العالمية العظمى الثانية. فهل تراها تشكّل نموذجاً مقبولاً لخيار بديل؟ لكن المراقب الصحفي الذي يقرن اسمه بصحيفة "لومانيتيه" (الشيوعية الفرنسية)، يغفل شأن "الصينيين الجدد"، أحديّة الطبقة العاملة وحزبها ومصالحها. أفيعقل أن تحتمل الأحديّةُ البديلَ؟

ومن هذه التجارب الجديدة "الربيع العربي" الذي يستعير له فرانسوا بورغا تاريخ الثورة الفرنسية، فيكون في السنة السادسة، وبالترقيم الروماني (VI)، ربيعٌ فشلت اليسارات العربية في ريادته، إذ جعلت أولويّتها منافسة الإسلاميين، بينما لم يمكث هؤلاء في مواقع السلطة إلّا قليلاً.

بعد هذا يأتي الحديث عن بدائل اليسار الأمريكي اللاتيني التي تتولّاها الباحثة سونيفا لابارث وزميلها الصحفي مارك سانت-أوبيري؛ ويؤكّدان أن أزمنة المرجعيّات السياسية والرمزية "للتقدّميّات" التي أمسكت بالسلطة في سنوات 2000، في أمريكا اللّاتينيّة، هي أزمنة شاقّة. كما أنّ دينامية اليسارات واليمينات القائمة حقاً في أمريكا اللاتينية لا تتّبع سيناريو وحيداً أوحداً، لكن إذا كان لا بد من أن نعزو درجة ما من المصداقية أو "المعقولية" لمفعول "نهاية الدورة" وكذلك الشعور بالغرق الذي يواكبه، فإن ذلك لا يعود إلى السياق الاقتصادي غير الملائم الذي ينال من هذه البلدان كافة.

لكن البديل الذي أشهره فوز دونالد ترامب في الانتخابات الأمريكية هو ما يسمّيه الكتاب، وما بات يشتهر باسم الشعبوية. وثمة 3 موضوعات متقاربة في هذا الحديث عن الشعبوية "كتجربة هشّة": دونالد ترامب طبعاً، الذي يرى فيه سيلفان سيبيل وعداً ملتبساً بالتجدّد الصناعي، وثانياً اليمينيّات الجذرية الشعبوية التي تتساءل نونا ماير عمّا إذا كانت خياراً بديلاً في أوروبا، وهناك ثالثاً الحركات القومية الجديدة في الشمال والجنوب، التي تجد لها دلفين آلتس خصائص مشتركة. فهذه كلّها تبدّت عبر ما يسمّيه فنسان تيبيرج "المدّ الشعبوي". وهي ليست في رأيه سوى "الثورة المضادة". لكن نونا ماير تجد أن توصيف الحركات الشعبوية بوصف أقصى اليمين هو توصيف لا يستغرق حقيقتها كلّها لأنها تلعب اللعبة الديمقراطية. ولأن لها سماتها الإيديولوجية الخاصة: فهي قومية، وهي إقصائية (ضدّ الأجنبي والمهاجر) وحصرية تريد حصر الموارد بأبناء البلاد، أو الشعب "الحقيقي"، "الشعب المتجانس الذي يتهدّده خطر "خارجي" كما يقول فابيان إيسكالونا. لكن هناك شعبوية يسار أيضاً تظهر من خلال حركة فرنسا المتمرّدة، ويتولّى روجيه مارتيللي استعراض إمكانيتها كيسار.

وإذا كان الحال مع الشعبويات هو هذا، فهل أن ثمّة نهوضاً محتملاً للاشتراكية الديمقراطية التي طالما حكمت أوروبا. إنّها الآن في وضعية دفاعيّة كما يرى آلان بيرغونيو، تتعرّض لمنافسة الأحزاب الوسطيّة، وتتخطّاها على يسارها الحركات الجديدة مثل "بوديموس" في إسبانيا، و"سيريزا" في اليونان، و"فرنسا العصيّة" أو "المتمرّدة" في فرنسا.

آفاق البدائل المحتملة

بعد التجارب الجارية، تأتي التطوّرات القادمة والآفاق المحتملة، إذ يستعرض دومينيك فيدال وضع النظام الدولي الحالي، ويلاحظ أنّه "يدير العولمة ويسيّرها في مصلحة الغرب". إنه مأزوم وبديله وطريق الخروج يمرّ في رأيه حكماً بالأمم المتّحدة التي "تملك مفتاح التغيير"، ويفترض إصلاح مؤسّساتها. أمّا آلان غريش فينظر إلى هذا النظام من زاوية أخرى، هي زاوية انبثاق وصعود قوى (البريكس وسواها) تريد أن تأخذ مكانها تحت الشمس، أما إيف سانتومير فيطرح مسألة بدائل النظام الانتخابي، طامحاً إلى إدخال بعض النسبية على النظم القائمة. وتتناول كاترين ساماري نهضة وأزمات الحركة المناهضة للعولمة، أو ما تسمّيه "العالمية البديلة"، التي بدأت "بلقاء القارّات الثلاث من أجل البشرية وضد النيوليبرالية" في صيف عام 1996، وبدأت بتنظيم "منتدى دافوس مضادّ" لذاك الذي ينعقد في دافوس في سويسرا، وينعقد بالتاريخ ذاته.

أما صوفي شابيل فتطرح مسألة البدائل البيئوية الزراعية، وتركّز على الزراعة البيولوجية واسترداد البذار كما يفعل البرازيليون، وترويج الزراعة المدينية. بينما تتناول راشيل كنايبيل الانتقال الطاقوي، ولاسيما الطاقة المتجدّدة، كتلك المستخرجة من الرياح والتي باتت منذ العام 2015 تُمثّل 50% من استهلاك الدانمارك، و36% من استهلاك إسبانيا، ونسبة 59% من استهلاك البرتغال و75% من طاقة النمسا (التي تستمدّها من المياه). وأخيراً نشير إلى عمل هيرفيه لو كروسنييه المرموق حول الرقميّة والأفق التقني العالمي الجديد.

تجدر الإشارة إلى أن الكتاب تضمّن ملاحق وجداول مفصّلة حول موضوعات عدّة، تتعلّق ب"إنتاج الكهرباء في العالم سنة 2012"، و"أوّل 20 بلداً كان إنتاجهم الكهربائي الأكثر قابلية للتجدّد في العام 2012"، و"البلدان الأكثر إنتاجيّة للطاقة الكهربائية في العام 2012"، و"بنية إنتاج الطاقة المتجدّدة في العالم سنة 2012"، و"رقم الأعمال الذي حقّقته مجموعات وسائط الإعلام المتعدّدة الدولية الرئيسة"، و"الصعود الخاطف للأبصار ل "غوغل"، و"جمعيات الإبقاء على الزراعة الفلاحية"، و"إسهامات أوّل 50 بلداً في ميزانية منظّمة الأمم المتّحدة، وفي عمليات حفظ السلام". كما قام بيير غروسِّير بعرض لافت لآخر الكتب المهمّة الصادرة باللغتين الإنجليزية والفرنسية في العام 2017.

تعليقات