سياسة

شيخ الأزهر.. داعية التسامح والأخوة الإنسانية

الثلاثاء 2019.2.5 03:01 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 371قراءة
  • 0 تعليق
الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف رئيس مجلس حكماء المسلمين

الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف رئيس مجلس حكماء المسلمين

يعد فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف رئيس مجلس حكماء المسلمين، رمزا للاعتدال والوسطية، وداعيا للتسامح، وهو ما تجلى بوضوح في العاصمة الإماراتية أبوظبي، بتوقيعه "وثيقة الأخوة الإنسانية" مع قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية.

نشأة الإمام الطيب أسهمت في تشكيل ملامح شخصيته السمحة، فمن رحم الأهوال التي عايشها صغيرا خرج داعيا للتسامح والأخوة.

"إنني أنتمي إلى جيل يمكن أن يسمى جيل الحروب، بكل ما تحمله هذه الكلمة من خوف ورعب ومعاناة، فما زلت أذكر حديث الناس –عقب الحرب العالمية الثانية- عن أهوال الحرب وما خلّفته من دمار وخراب، وما كدت أبلغ العاشرة من عمري حتى دهمتنا حرب العدوان الثلاثي في أكتوبر 1956، ورأيت بعيني قصف الطائرات لمطار مدينتي مدينة الأقصر".

بهذه الكلمات التي ألقاها خلال اللقاء العالمي للأخــــوة الإنســــانية الذي عقد في صرح زايد المؤسس في العاصمة الإماراتية أبوظبي، لخّص الإمام الأكبر رحلة عمرها 73 عاما، منذ مولده من رحم الحروب عام 1946، وحتى مشاركته في إطلاق "وثيقة الأخوة الإنسانية" كمبادرة تاريخية عالمية تنطلق من أرض الإمارات -دار زايد- برعاية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، لتحلق بالبشرية في فضاء التسامح والأخوة الإنسانية.

مولده ونشــأته

ولد فضيلة الدكتور أحمد محمد أحمد الطيب بقرية القرنة التابعة لمدينة الأقصر جنوب مصر في 6 يناير عام 1946، وذلك بعد 4 أشهر فقط من انتهاء الحرب العالمية الثانية في 2 سبتمبر عام 1945.

أسرته عريقة طيبة، حيث كان والده من أهل العلم والصلاح، وهو ما دفع نجله للدراسة في الأزهر الشريف، وحفظ القرآنَ وقرأ المتون العلميَّةَ على الطريقة الأزهرية الأصيلة.

وعندما بلغ العاشرة من عمره وقعت حرب العدوان الثلاثي على مصر في أكتوبر 1956م، ورأى بعينه قصف الطائرات لمطار مدينته مدينة الأقصر.

ولم يمضِ على هذه الحرب سنوات عشر، حتى اندلعت حرب 1967، التي شنتها إسرائيل على ثلاث من دول جوارها العربي؛ هي مصر وسوريا والأردن، واحتلت خلالها أراضي عربية.

بعدها بست سنوات وقعت حرب 1973 التي خاضتها مصر بهدف استعادة كرامتها واسترداد أراضيها التي احتلتها إسرائيل عام 1967.

وما بين نكسة 67 وانتصار 73، كان الشيخ الطيب قد التحق بشُعبة العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بالقاهرة حتى تخرَّج فيها بتفوق عام 1969.

رحلته العلمية

عُيِّن الشيخ الطيب معيدا بكلية أصول الدين عام 1969، وحصل فضيلته على درجة الدكتوراه شعبة العقيدة والفلسفة من جامعة الأزهر عام 1977.

وعُيِّن أيضاً بدرجة أستاذ بكلية أصول الدين عام 1988م، ثم واصل الترقي حتى تعيينه في مارس/آذار 2002 مفتيا للديار المصرية، وعمره 56 عاما، وظلَّ في هذا المنصب حتى 27 سبتمبر/أيلول 2003، وأصدر خلالَ فترة تولِّيه الإفتاء نحو (2835) فتوى مسجَّلة بسجلات دار الإفتاء المصرية.

في 28 من سبتمبر عام 2003، تم تعيين فضيلته رئيسا لجامعة الأزهر وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى 19 من مارس سنة 2010، وفي يوم الجمعة الموافق 19 من مارس 2010 تم تعيينه شيخا للأزهر الشريف.


الحرب على الإرهاب

بعد حرب 1973، ظن الإمام الطيب أن مصر ودعت عهد الحروب، وبدأت عصر السلام والأمان والإنتاج.

لكن الأمر سرعان ما تبدل بعد ذلك، حين ظهرت موجة جديدة من الإرهاب بدأت في التسعينيات من القرن الماضي، ثم استفحل أمرها بعد ذلك حتى أصبحت اليوم تقض مضاجع العالم شرقا وغربا.

وهو ما أكده الإمام الأكبر في كلمته خلال توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية في العاصمة أبوظبي، حيث قال: "وكان الأمل في أن تطل الألفية الثالثة، وقد انحسرت موجات العنف والإرهاب وقتل الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال، ولكن خاب الأمل مرة ثالثة حين دهمتنا حادثة تفجير برجي التجارة في نيويورك في الحادي عشر من سبتمبر من مطلع القرن الحادي والعشرين، والتي دفع الإسلام والمسلمون ثمنها غاليا، وأخذ فيها مليار ونصف المليار مسلم بجريرة أفراد لا يزيد عددهم على عدد أصابع اليدين".

وتابع: "استُغلت هذه الحادثة استغلالا سلبيا في إغراء الإعلام الدولي بإظهار الإسلام في صورة الدين المتعطش لسـفك الدماء، وتصوير المسلمين في صورة برابرة متوحشين أصبحوا خطرا داهما على الحضارات والمجتمعات المتحضرة، وقد نجح هذا الإعلام في بعث مشاعر الكراهية والخوف في نفوس الغربيين من الإسلام والمسلمين، وسيطرت عليهم حالة من الرعب ليس من الإرهابيين فقط، بل من كل ما هو إسلامي جملة وتفصيلا".

إمام الوسطية والتسامح

إن للحروب التي عاصرها الإمام الأكبر في طفولته وشبابه وحياته، لا سيما مع ظهور الإرهاب، واستغلال الإعلام أحداث 11 سبتمبر 2001 لتشويه صورة الإسلام، دورا كبيرا في رحلته الدعوية، فأخذ على عاتقه مناصرة القضايا الإنسانية العادلة ورفع راية التسامح والوسطية في وجه دعوات الانعزال والتطرف على مستوى العالم.

ومنذ توليه مشيخة الأزهر الشريف في عام 2010، لعب دورا بارزا في دفع مسيرة الحوار بين الأديان ومد جسور التواصل والحوار بين المجتمعات في الشرق والغرب، وتعزيز مفاهيم التعايش السلمي وقبول الآخر.

وعبر مسيرته المليئة بالعطاء، لعب فضيلة الإمام الأكبر دورا بارزا في إذابة الاحتقان الطائفي في عدد من بلدان العالم الإسلامي، وإعادة صياغة علاقة المسلمين بـ"الآخر"، على الأسس الإسلامية القويمة، التي تؤكد حتمية احترام أتباع الأديان السماوية الأخرى، حيث يؤكد فضيلته أن ما يفرق الأزهر عن أي جامعة أخرى هي الرسالة التي يقوم بها في نشر الوعي الديني والمجتمعي.


حكماء المسلمين

في 19 يوليو 2014، شهدت العاصمة أبوظبي إطلاق أول هيئة دولية مستقلة تهدف إلى تعزيز السلم في العالم الإسلامي تحت اسم "مجلس حكماء المسلمين"، يترأسها فضيلة الإمام الأكبر الشيخ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف.

ويهدف المجلس إلى توحيد الجهود في لمّ شمل الأمة الإسلامية، ومواجهة الفتن التي تهدد القيم الإنسانية، ومبادئ الإسلام السمحة، وتشيع شرور الطائفية والعنف التي تعصف بالعالم الإسلامي منذ عقود.

وجد الإمام الطيب في "مجلس حكماء المسلمين" فضاء جديدا لنشر الوسطية ومحاربة الإرهاب في العالم أجمع والتعريف بسماحة الإسلام.

وثيقة الأخوة الإنسانية.. مبادرة تاريخية

بعد فترة قصيرة من تأسيس مجلس حكماء المسلمين، نجح في تحقيق أهدافه وقيادة مبادرات عالمية من أجل خير البشرية، بدعم ورعاية من الإمارات وقيادتها.

وفي قلب عاصمة التسامح "أبوظبي"، وقف مئات الملايين حول العالم، متابعين حدثا تاريخيا تحتضنه دولة الإمارات العربية المتحدة بتوقيع "وثيقـة الأخوة الإنسانية"، التي تهدف إلى تعزيز العلاقات الإنسانية وبناء جسور التواصل والتآلف والمحبة بين الشعوب إلى جانب التصدي للتطرف وسلبياته.

أما طرفا التوقيع، فهما قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية، وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، الصادرة عن "المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية"، الذي ينظمه مجلس حكماء المسلمين برعاية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية.

ومن منطلق المسؤولية الدينية والأدبية، وعبر وثيقة الأخوة الإنسانية، افتتح الأزهر الشريف ومن حوله المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، والكنيسة الكاثوليكية ومن حولها الكاثوليك من الشرق والغرب، الوثيقة بإعلان تبني ثقافة الحوار والتعاون المشترك، والتعارف المتبادل بين الأزهر والكنيسة.

الوثيقة طالبت قادة العالم وصناع السياسات الدولية والاقتصاد العالمي بالعمل جديا على نشر ثقافة التسامح والتعايش والسلام، والتدخل فورا لإيقاف سيل الدماء البريئة، ووقف ما يشهده العالم حاليا من حروب وصراعات.

وشهد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية، توقيع "وثيقة الأخوة الإنسانية".

وأعلن الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في كلمة له خلال مراسم التوقيع التي جرت في صرح زايد المؤسس في أبوظبي، إطلاق الإمارات "جائزة الأخوة الإنسانية- من دار زايد" التي ستكرم في كل دورة منها شخصيات ومؤسسات عالمية بذلت جهودا صادقة في تقريب الناس من بعضهم.

وأعلن "منح الجائزة في دورتها الأولى لقداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية وفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف؛ لجهودهما المباركة في نشر السلام في العالم ".

وتتوج جائزة "الأخوة الإنسانية" رحلة عطاء ما زالت متواصلة لفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، يواصل فيها نشر الوسطية والاعتدال وعالمية القيم ورفضه المطلق للغلو والتشدد، وتأكيد الرسالة المشتركة للأديان التي تدعو إلى سعة التعايش بعيدا عن الكراهية ونبذ الآخر، والتعارف بديلا عن مصارع الانغلاق، وحسن الجوار واحترام الحقوق وقبول الاختلاف نقيضا للتباغض والإقصاء.

تعليقات