استشارية في التنمية المستدامة: البنية التحتية الذكية تكافح حرارة الطقس
مع تسارع وتيرة التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة العالمية، بالتزامن مع زيادة الاعتماد على التكنولوجيا والحلول الرقمية، أصبحت البنية التحتية الذكية واحدة من أهم العوامل المساهمة في تحسين جودة الحياة وتطوير المدن والخدمات.
والخميس، ذكر تقرير صادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة ومكتب الأرصاد الجوية البريطاني أنه من المتوقع وصول متوسط درجات الحرارة حول العالم إلى مستويات شبه قياسية خلال السنوات الخمس المقبلة، وسط تكهنات بأن درجات الحرارة في القطب الشمالي سترتفع بوتيرة أسرع من المناطق الأخرى.
وتعتمد البنية التحتية الذكية بصورة أساسية على استخدام التقنيات الحديثة مثل إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، ما يساهم في إدارة الموارد بكفاءة أكبر وتقليل التكاليف ودعم الاستدامة.
مع ذلك، ما زالت المنطقة العربية تواجه العديد من التحديات لدعم البنية التحتية الذكية.
وفي هذا الصدد، أجرت "العين الإخبارية" حوارًا مع منار الديب، المهندسة الاستشارية في التنمية المستدامة، والباحثة الأكاديمية في جامعة الإسكندرية.
إليكم نص الحوار..
ما تعريفكم للبنية التحتية الذكية؟
حسنًا، يمكن تعريف البنية التحتية الذكية على أنها إدخال التكنولوجيا والأنظمة الرقمية إلى المباني، بالإضافة إلى إدارة الطاقة والمياه والتهوية والموارد بصورة تضمن الكفاءة وتُقلل من الأثر البيئي، مع أخذ الحفاظ على صحة الإنسان وراحته النفسية والإنتاجية داخل الفراغ العمراني بعين الاعتبار.
وتجدر الإشارة إلى أنّ البنية التحتية الذكية قد أصبحت من أحد أهم المفاهيم المرتبطة بمستقبل استدامة المباني والمدن؛ خاصة في ظل التحولات المناخية المتسارعة والضغوط البيئية التي تواجه المدن الحديثة.
وكيف دعمت العمارة العربية القديمة مبادئ المدن الذكية؟
على الرغم من أنّ مفهوم "المدن الذكية" ما زال يُطرح اليوم باعتباره أحد نماذج التطور العمراني، إلا أنّ العمارة العربية التقليدية كانت تحمل مبادئ ذكية ومستدامة تتوافق مع البيئة والمناخ المحلي منذ قرون؛ فعلى سبيل المثال، في المدن العربية القديمة، نلاحظ أنّ هناك حلول معمارية متقدمة قد ظهرت مثل "الملقف"، وهو يعتمد على توجيه الهواء وتبريد المباني طبيعيًا بدون الحاجة إلى استهلاك الطاقة، إضافة إلى استخدام الأفنية الداخلية والحوائط السميكة والخامات المحلية كالحجر الجيري والطين، وهي عناصر قد ساهمت في خلق بيئة حرارية مريحة تتناسب مع طبيعة المناخ الحار والجاف.
هل يمكنك إعطائنا تجارب عربية في هذا السياق؟
بالطبع، إنّ من أبرز التجارب العربية الرائدة في هذا السياق، تجربة المعماري المصري "حسن فتحي"، الذي آمن بضرورة العودة إلى العمارة الإنسانية المرتبطة بالبيئة والثقافة المحلية؛ فقد سعى من خلال مشروعاته -على رأسها قرية "القرنة الجديدة"- إلى استخدام خامات محلية منخفضة التكلفة وصديقة للبيئة، بالإضافة إلى تصميمات تعتمد على التهوية الطبيعية وتقلل استهلاك الطاقة.
لم تكن رؤية "حسن فتحي" معمارية فقط، بل تعتمد إلى أبعاد ثقافية واجتماعية عميقة؛ إذ اعتبر أنّ العمارة يجب أن تُعبّر عن هوية المجتمع وتحافظ على خصوصيته الثقافية، لا أن تكون مجرد نسخ متكررة لنماذج غربية قد لا تتلائم مع طبيعة منطقتنا العربية.
ومتى ظهرت تحديات إقامة المدن الذكية في المنطقة العربية؟
بدأت الكثير من المدن العربية تتجه نحو أنماط بناء تعتمد بصورة كبيرة على الزجاج والخرسانة والواجهات المغلقة، تزامنًا مع موجات التحديثات السريعة والعولمة العمرانية، وتلك الأنماط مستوردة من بيئات مناخية مختلفة، لذلك قاد هذا التحوّل إلى زيادة في الاعتماد على التكييف الصناعي واستهلاك الطاقة، ما أدى إلى خلق فجوة بين الإنسان والبيئة المحيطة به، وتسبب في إضعاف العلاقة بين العمارة والهوية الثقافية المحلية. ومن هنا ظهرت تحديات حقيقية أمام إقامة مدن ذكية ومستدامة في العالم العربي؛ فالتحدي لا يكمن فقط في التكنولوجيا أو التمويل، بل ويرتبط أيضًا بغياب الرؤية المتكاملة التي تربط بين التطور التقني والخصوصية البيئية والاجتماعية والثقافية.
من جانب آخر، تواجه بعض الدول العربية مشكلات تتعلق بالنمو العمراني العشوائي والاعتماد على مواد بناء مرتفعة البصمة الكربونية وضعف التخطيط طويل المدى، إلى جانب نقص الوعي بأهمية العمارة المناخية المستدامة.