معارضة مخضرمة بيضاء تعيد رسم السياسة في جنوب أفريقيا
في مشهد يلخص حجم الأزمة التي تعصف بجوهانسبرغ، وقفت السياسية المخضرمة هيلين زيل أمام محطة كهرباء فرعية متضررة في شرق المدينة، حيث لا تزال آثار حريق اندلع قبل عامين ماثلة للعيان وسط كابلات مكشوفة وأعشاب برية غزت الأرصفة.
بالنسبة لزيل، التي تخوض سباقاً انتخابياً مصيرياً على رئاسة بلدية العاصمة الاقتصادية لجنوب أفريقيا، لم يكن الموقع مجرد محطة متوقفة عن العمل، بل رمزاً لفشل إداري متراكم تقول إنه دفع المدينة إلى حافة الانهيار، بحسب صحيفة فينانشيال تايمز.
وقبل ساعات من جولتها الميدانية، وجهت انتقادات حادة لإدارة العمدة الحالي دادا موريرو، متهمة المسؤولين بالعجز حتى عن تشخيص المشكلات التي تحتاج إلى إصلاح.
وتحولت زيل، البالغة من العمر 75 عاماً، خلال الأشهر الأخيرة إلى واحدة من أكثر الشخصيات حضوراً في المشهد السياسي الجنوب أفريقي، بعدما اعتمدت أسلوباً ميدانياً لافتاً جذب اهتمام الرأي العام ومنصات التواصل الاجتماعي.
فمن التنقل في شوارع غمرتها الفيضانات إلى النزول داخل حفر البنية التحتية المتداعية والتجول في مرافق مهملة، سعت السياسية المخضرمة إلى تقديم نفسها بوصفها صوتاً لغضب المواطنين تجاه التراجع المستمر في الخدمات العامة وتدهور أوضاع المدينة التي تعد القلب الاقتصادي للقارة الأفريقية.
وتحمل الانتخابات المحلية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني أهمية استثنائية، إذ تتجاوز حدود المنافسة على إدارة مدينة كبرى لتتحول إلى اختبار سياسي حساس لمستقبل حزب المؤتمر الوطني الأفريقي.

فالحزب الذي قاد البلاد إلى إنهاء نظام الفصل العنصري وظل القوة السياسية المهيمنة طوال ثلاثة عقود، يواجه اليوم تحديات غير مسبوقة بعد فقدانه أغلبيته الوطنية واضطراره إلى تقاسم السلطة ضمن ائتلاف حكومي يضم التحالف الديمقراطي الذي تنتمي إليه زيل.
ويرى مراقبون أن خسارة الحزب في جوهانسبرغ أمام مرشحة بيضاء في مدينة ذات أغلبية سوداء قد تمثل تحولاً تاريخياً يهز واحدة من أكثر المسلمات السياسية رسوخاً في البلاد، وهي الارتباط التقليدي بين الناخبين السود وحزب التحرير السابق.
غير أن طريق زيل نحو رئاسة البلدية لا يبدو سهلاً، في ظل المنافسة القوية التي يمثلها رجل الأعمال هيرمان ماشابا، العمدة السابق للمدينة ومؤسس حزب "أكشن إس إيه".
ويعتمد ماشابا على خطاب سياسي يركز بصورة كبيرة على قضية الهجرة غير الشرعية، محملاً المهاجرين جانباً مهماً من مسؤولية الأزمات التي تعانيها المدينة، وهو طرح يلقى صدى لدى بعض الشرائح المتضررة من البطالة وتراجع الخدمات.
في المقابل، تتمسك زيل بخطاب يرتكز على إصلاح البنية التحتية واستعادة كفاءة الإدارة المحلية وتحقيق الاستقرار المالي، معتبرة أن جذور الأزمة أعمق بكثير من اختزالها في ملف الهجرة.
وتواجه جوهانسبرغ بالفعل تحديات ضخمة تهدد مكانتها الاقتصادية، رغم مساهمتها بأكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي لجنوب أفريقيا.
فالمدينة تعاني من انقطاعات متكررة للكهرباء ونقص في إمدادات المياه وتدهور شبكات الطرق وتفاقم أزمة النفايات وارتفاع معدلات الجريمة، إلى جانب أعباء مالية متزايدة وديون متراكمة ومشكلات هيكلية في البنية التحتية تقدر بمليارات الراندات.
كما أن حالة عدم الاستقرار السياسي داخل البلدية، والتي تجلت في تعاقب عشرة رؤساء بلديات خلال عقد واحد، ساهمت في تعميق الأزمات وتقويض ثقة المواطنين بقدرة السلطات المحلية على إدارة شؤون المدينة بكفاءة.
ورغم سجلها الإداري الذي اكتسبته خلال قيادتها لمقاطعة كيب الغربية، تواجه زيل تساؤلات حول قدرتها على إدارة مدينة معقدة مثل جوهانسبرغ، خاصة في ظل الحاجة إلى بناء توافقات داخل ائتلافات سياسية هشة.
كما لا تزال بعض المواقف المثيرة للجدل التي ارتبطت بمسيرتها السياسية تلاحقها، بما في ذلك تصريحات سابقة أثارت نقاشاً واسعاً بشأن الإرث الاستعماري، فضلاً عن انتقادات طالت بعض قراءاتها للأسباب السياسية والاجتماعية الكامنة وراء أزمات المدينة.

ومع ذلك، تؤكد زيل أن عودتها إلى العمل السياسي بعد إعلان اعتزالها عام 2019 جاءت بدافع الشعور بالمسؤولية تجاه مستقبل جوهانسبرغ. وتضع في مقدمة أولوياتها إعادة تأهيل البنية التحتية، وتحسين الإدارة المالية، وإصلاح الخدمة المدنية، معتبرة أن إنقاذ المدينة يتطلب قرارات جريئة وإدارة فعالة أكثر من حاجته إلى الشعارات السياسية.
وفي ختام إحدى جولاتها الانتخابية، وجدت زيل نفسها محاطة بمجموعة من الفتيات الشابات اللواتي عبّرن عن اهتمامهن بما تكشفه حملتها من مشكلات مزمنة تعانيها المدينة.
ويختصر هذا المشهد طبيعة التحول الجاري في جنوب أفريقيا؛ إذ باتت سياسية بيضاء مثيرة للجدل قادرة على استقطاب اهتمام شرائح من الناخبين السود الساخطين على أداء حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، في معركة انتخابية قد لا تحدد فقط مستقبل جوهانسبرغ، بل ربما ترسم ملامح مرحلة سياسية جديدة في البلاد بأسرها.