تحت شعار «بالي بالي».. كوريا الجنوبية تملأ الفراغ الأمريكي
في الوقت الذي تثير فيه الدعوات الأمريكية المتكررة لتقليص الالتزامات الأمنية الخارجية قلق الحلفاء في أوروبا وآسيا، تبدو كوريا الجنوبية أحد أكبر المستفيدين من هذا التحول التاريخي.
فالدولة التي عاشت لعقود تحت مظلة الحماية الأمريكية نجحت، بحسب موقع "بوليتكو"، في تحويل مخاوفها الأمنية إلى مشروع صناعي واستراتيجي ضخم، جعلها اليوم بين أسرع مصدري السلاح نمواً في العالم، وأحد أبرز اللاعبين الصاعدين في سوق الدفاع الدولية.
وتعود جذور هذه القصة إلى أواخر ستينيات القرن الماضي، عندما أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون ما عُرف لاحقاً بـ"مبدأ نيكسون"، الذي دعا حلفاء واشنطن إلى تحمل قدر أكبر من مسؤولياتهم الدفاعية.
شكّل القرار، بالنسبة إلى سيول التي كانت لا تزال تعيش تحت وطأة تهديدات كوريا الشمالية بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب الكورية، صدمة استراتيجية حقيقية، خاصة مع تقليص الوجود العسكري الأمريكي في شبه الجزيرة.
عندها أدركت القيادة الكورية الجنوبية أن الاعتماد الكامل على الحليف الأمريكي لم يعد خياراً مضموناً، وأن بناء قاعدة صناعية عسكرية وطنية أصبح ضرورة وجودية لا مجرد مشروع تنموي.
ومنذ ذلك الحين، بدأت كوريا الجنوبية رحلة طويلة من بناء القدرات الدفاعية المحلية. انطلقت بتجميع وإنتاج الأسلحة الأجنبية بموجب تراخيص، ثم انتقلت تدريجياً إلى تطوير أنظمة محلية أكثر تقدماً، مستفيدة من نقل التكنولوجيا والاستثمارات الحكومية الضخمة.
وخلال عقود قليلة، تحولت من دولة تعتمد على الاستيراد لتأمين احتياجاتها العسكرية إلى قوة صناعية قادرة على تلبية احتياجات جيشها وتصدير منتجاتها إلى أسواق عالمية متنامية.
واليوم، تجد سول نفسها في موقع استثنائي للاستفادة من التحولات الجيوسياسية المتسارعة. فالحرب في أوكرانيا استنزفت مخزونات الأسلحة الغربية، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط وآسيا زاد الطلب العالمي على المعدات العسكرية، فيما دفعت النقاشات الأمريكية حول تقليص الأعباء الدفاعية للحلفاء العديد من الدول إلى البحث عن مورّدين موثوقين وقادرين على التسليم السريع.

وفي هذا المناخ، نجحت الشركات الكورية الجنوبية في تقديم نفسها كبديل فعال يجمع بين الجودة والكلفة المقبولة والقدرة على الإنتاج السريع.
وتشير التوقعات إلى أن صادرات كبرى شركات الصناعات الدفاعية الكورية ستواصل نموها القوي خلال السنوات المقبلة، مدفوعة بعقود ضخمة في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.
كما أصبحت كوريا الجنوبية ثاني أكبر مورّد للأسلحة إلى دول حلف شمال الأطلسي بعد الولايات المتحدة، وهو إنجاز كان يبدو بعيد المنال قبل سنوات قليلة فقط.
ويعزو كثير من الخبراء هذا النجاح إلى الثقافة الصناعية الكورية المعروفة بمبدأ "بالي بالي"، أي "أسرعوا، أسرعوا"، وهي فلسفة تقوم على السرعة والمرونة والاستجابة الفورية لاحتياجات العملاء.
وقد ظهر ذلك بوضوح بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، عندما سارعت دول أوروبا الشرقية إلى البحث عن بدائل لتعويض الأسلحة التي نقلتها إلى كييف.
ففي وقت واجهت فيه بعض الشركات الأوروبية صعوبات في زيادة الإنتاج وتسريع التسليم، استطاعت الشركات الكورية توفير دبابات ومدفعية وأنظمة صاروخية خلال فترات زمنية قصيرة نسبياً، ما عزز ثقة المشترين بقدراتها.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك الصفقة الضخمة التي وقعتها بولندا مع سيول لتحديث قواتها المسلحة، والتي شملت دبابات ومدفعية ومنظومات صاروخية بقيمة مليارات الدولارات.
وقد مثّلت هذه الاتفاقية نقطة تحول مهمة، ليس فقط بسبب حجمها المالي، بل لأنها فتحت الباب أمام حضور كوري متزايد داخل السوق الأوروبية التي كانت تقليدياً مجالاً لنفوذ الشركات الأمريكية والأوروبية الكبرى.
كما تتمتع كوريا الجنوبية بميزة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في استعدادها لنقل التكنولوجيا وإقامة خطوط إنتاج محلية في الدول المستوردة. ويمنح هذا النهج الدول المشترية فرصة تطوير صناعاتها الدفاعية الوطنية، وهو ما يجعل العروض الكورية أكثر جاذبية مقارنة ببعض المنافسين الغربيين الذين يترددون في تقديم مستويات مماثلة من التعاون الصناعي.

وتعزز هذا النهج مرونة لافتة في التعامل مع متطلبات العملاء. فالشركات الكورية لا تكتفي ببيع المنتجات الجاهزة، بل تبدي استعداداً لتعديل أنظمتها وتطويرها وفق الاحتياجات التشغيلية الخاصة لكل دولة، الأمر الذي ساهم في ترسيخ سمعتها كمورّد قادر على التكيف مع المتطلبات المختلفة للأسواق العالمية.
ورغم هذا الصعود اللافت، لا تزال أمام كوريا الجنوبية تحديات مهمة إذا أرادت تحقيق هدفها المعلن بالوصول إلى المركز الرابع عالمياً بين أكبر مصدري السلاح بحلول عام 2030.
فبينما حققت نجاحات كبيرة في مجالات الدبابات والمدفعية وأنظمة الدفاع الجوي، ما تزال تواجه منافسة شرسة في قطاعات أكثر تعقيداً وربحية، مثل الطائرات المقاتلة والغواصات والسفن الحربية الثقيلة، حيث تتمتع الشركات الأمريكية والأوروبية بتاريخ طويل وشبكات علاقات راسخة.
كما أن تنامي الدعوات الأوروبية إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي الدفاعي قد يحد مستقبلاً من فرص توسع الشركات الكورية داخل بعض الأسواق الرئيسية. وإلى جانب ذلك، بدأت اليابان هي الأخرى في إعادة فتح أبواب صادراتها العسكرية، ما قد يضيف منافساً آسيوياً قوياً إلى معادلة المنافسة العالمية.
ومع ذلك، تبدو سيول عازمة على مواصلة مسارها التصاعدي. فبعيداً عن الأرقام والعقود، تسعى كوريا الجنوبية إلى ترسيخ صورة جديدة لنفسها باعتبارها شريكاً دفاعياً موثوقاً وقادراً على تلبية احتياجات الحلفاء في عالم تتغير فيه التحالفات وتتزايد فيه الشكوك حول استدامة الضمانات الأمنية التقليدية.
وبينما يعيد النظام الدولي تشكيل توازناته، تبدو كوريا الجنوبية في موقع مثالي لتحويل الاضطرابات العالمية إلى فرصة استراتيجية قد تجعل منها إحدى أبرز قوى الصناعات الدفاعية خلال العقود المقبلة.