إسبانيا تبحث عن «بديل الشاطئ».. خطة لكسر حاجز الـ 100 مليون سائح
تواجه إسبانيا، إحدى أبرز الوجهات السياحية العالمية، تحدياً استثنائياً مع اقتراب عدد زوارها من 100 مليون سائح للمرة الأولى في تاريخها.
وهذا التدفق القياسي، الذي تعزز بمخاوف الجيوسياسية العالمية وتحول الوجهات، دفع الحكومة الإسبانية إلى إعلان حرب ناعمة على نموذجها القديم القائم حصراً على "الشمس والرمال والشواطئ"، والاتجاه بقوة نحو الترويج للمناطق الداخلية والخضراء غير المكتشفة.
وفي مقابلة حصرية مع صحيفة "الغارديان"، أكد وزير الصناعة والسياحة الإسباني، جوردي هيريو، أن بلاده لا تشعر بـ "الهوس أو القلق" من هذه الأرقام المليونية، مشيراً إلى أن الرهان الحالي يتركز على ما وصفه بـ "النمو الهادئ والمستدام". وأوضح هيريو، العمدة السابق لمدينة برشلونة، أن "الصيغ القديمة لم تعد مجدية"، خاصة في ظل تنامي الاحتجاجات المحلية ضد السياحة المفرطة وتصاعد تداعيات التغير المناخي.
نمو في القيمة
ورغم أن السياحة تمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الإسباني؛ اذ تساهم بأكثر من 12% من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن نموها المتسارع وغير المنضبط أثار موجة غضب شعبي عارمة (فوبيا السياحة). فقد اشتكى المواطنون في مدن كبرى من انتشار الشقق السياحية التي تسببت في طرد السكان المحليين من سوق العقارات ورفع الإيجارات لمستويات قياسية، فضلاً عن الضغط الشديد على الخدمات العامة والموارد الطبيعية.
تنظيم السوق
وتتجسد هذه الرؤية في الحملة الترويجية الجديدة التي تحمل عنوان "هل تعتقد أنك تعرف إسبانيا؟ فكر مجدداً". وتتجنب الحملة تماماً استعراض الشواطئ المشمسة، لتسلط الضوء بدلاً من ذلك على الكنائس التاريخية، والمهرجانات الشعبية، ومزارع البرتقال، والحدائق الخضراء في الشمال، وحتى الأجواء الماطرة والدببة البنية في المحميات الطبيعية.
استقرار اجتماعي وتحديات مناخية
ويرى هيريو أن هذا التحول لا يساهم فقط في حماية البيئة، بل يعد أداة فعّالة لمكافحة الهجرة الريفية وتفريغ القرى من سكانها، حيث يوفر تمديد الموسم السياحي وظائف مستقرة ومستدامة للشباب على مدار العام بدلاً من اقتصارها على أشهر الصيف الثلاثة، ما يسهم في رفع الأجور وتحقيق العدالة في توزيع الأرباح.
وأقر الوزير بأن التحدي الأكبر يكمن في التكيف مع التغير المناخي الذي يضرب إسبانيا بجفاف شديد وموجات حر وحرائق غابات. وتراهن مدريد اليوم على دمج الطاقة المتجددة والإدارة الفعالة للمياه والنفايات لضمان بقاء القطاع. واختتم هيريو حديثه بالقول: "الاستمرار في النموذج القديم سيكون خطأً فادحاً.. هدفنا اليوم هو نمو قيمة الإنفاق السياحي لا مجرد زيادة أعداد الرؤوس".
وتأتي هذه التحركات الرسمية في وقت تشهد فيه المؤشرات السياحية قفزات هائلة؛ ففي العام الماضي، ارتفع عدد السياح الأجانب بنسبة 3.2% ليصل إلى 96.8 مليون زائر، بينما قفزت عائداتهم بنسبة 6.8% لتضخ في الاقتصاد الإسباني نحو 134 مليار يورو (116 مليار جنيه استرليني). واستمر هذا الزخم خلال الربع الأول من العام الجاري، بزيادة في أعداد السياح بلغت 3.4% ونمو في الإيرادات بنسبة 6.7%.
وفي تعليقه، قال الوزير هيريو باقتضاب أن طبيعة إسبانيا اللامركزية تصعّب على الحكومة المركزية فرض التغيير محلياً، معتبراً أن الأحزاب اليسارية أكثر ميلاً لتنظيم القطاع السياحي مقارنة باليمين الذي يتبنى مبدأ "ترك السوق ينظم نفسه ذاتياً"، وهو ما أثبت فشله في العديد من المناطق التي عانت من غياب التنظيم، وفق تعبيره. وكانت الحكومة الإسبانية، بقيادة التحالف الاشتراكي، قد أطلقت استراتيجية سياحية لعام 2030 ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية هي: اللامركزية الجغرافية: توجيه التدفقات خارج السواحل المكتظة وكسر الموسمية: تشجيع الزيارات في المواسم المنخفضة والمتوسطة (الربيع والخريف) وأخيرا، تنويع المنتج السياحي: التركيز على الثقافة، الطبيعة، والتراث.
وبفضل استثمار الحكومة لنحو 3.4 مليار يورو من أموال الدعم الأوروبي المخصصة للتعافي من جائحة كورونا لتحديث القطاع، بدأت مناطق داخلية مثل "كاستيا لا مانتشا"، "إستريمادورا"، "غاليسيا"، و"إقليم الباسك" في تطوير بنيتها التحتية السياحية وجذب الزوار.