اقتصاد

إضراب "الثلاثاء الأسود" يتحدى سياسة الرئيس الفرنسي الاقتصادية

الثلاثاء 2018.4.3 08:17 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 213قراءة
  • 0 تعليق
عمال السكك الحديدية في فرنسا يبدأون إضرابا لمدة 3 أشهر

عمال السكك الحديدية في فرنسا يبدأون إضرابا لمدة 3 أشهر

بدأت قطاعات عدة في فرنسا، اليوم الثلاثاء، جولة إضراب جديدة احتجاجا على مشروع إصلاح قدمته الحكومة لتعديل قوانين العمل.
وتواجه فرنسا ابتداء من اليوم، الذي أطلق عليه (الثلاثاء الأسود) أول موجة من الإضرابات المتواصلة في السكك الحديدية والتي من المتوقع أن تسبب حالة من الفوضى ضد سياسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاقتصادية الجديدة.
وتبنى موظفو شركة السكك الحديدية (إس.إن.سي.إف) مبدأ الإضراب يومين في كل 5 أيام خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.
وشارك أكثر من ثلاثة أرباع سائقي القطارات في اليوم الأول من الإضراب، بحسب إدارة الشركة الوطنية للسكك الحديدية "إس إن سي إف"، الشركة العامة المشرفة على القطارات في فرنسا والتي ترزح تحت ديون طائلة ويرغب ماكرون في إصلاحها. لكن ثلث عدد الموظفين فقط شاركوا في الإضراب بحسب الشركة.
ويريد ماكرون تحويل الشركة الوطنية الفرنسية للسكك الحديدية المثقلة بالديون إلى شركة تحقق أرباحا ما يمهد الطريق أمام خصخصتها وفقدان بعض الامتيازات التي يتمتع بها موظفو الشركة مثل الزيادة السنوية التلقائية.
وتم تسيير قطار واحد فائق السرعة "تي جي في" من أصل ثمانية و5 القطارات المحلية، فيما وصفته وسائل الإعلام الفرنسية بـ"الثلاثاء الأسود".
وسيواجه مستخدمو القطارات يوميا والبالغ عددهم 4,5 مليون شخص أسابيع من الفوضى وسط إضراب ليومين كل 5 أيام يستمر حتى 28 يونيو/حزيران المقبل، ما يوازي 36 يوما من الإضراب بصورة إجمالية.

وقال فيليب مارتينيز رئيس "الكونفدرالية العامة للعمل" (سي جي تي)، أكبر النقابات الفرنسية لإذاعة فرانس انتر: "طالبنا بالشيء نفسه لعدة أسابيع -- بأن تعيد الحكومة النظر في خطتها كليا. عليهم أن يبدأوا من الصفر مجددا".
وينفذ موظفو شركة إير فرانس وجامعو النفايات وبعض موظفي قطاع الطاقة إضرابات منفصلة الثلاثاء وسط تزايد الاستياء الاجتماعي بعد 11 شهرا على وصول الرئيس البالغ من العمر 40 عاما إلى الإليزيه.
وفي قطاع الطيران أعلنت شركة الخطوط الجوية الفرنسية (إير فرانس) إنها ستقوم اليوم بتسيير نسبة 75% من رحلاتها الطويلة و67% من رحلاتها المتوسطة ونحو 85% من الرحلات القصيرة.
وقالت الشركة في بيان إن نحو 33% من الطيارين سيشاركون في الإضراب إلى جانب أكثر من 20% من موظفي الملاحة التجارية و15% من الإداريين.
كما أعلن عمال النظافة الإضراب عن العمل ابتداء من اليوم، للمطالبة بإنشاء هيئة وطنية لجمع القمامة.
وتأتي سلسلة الإضرابات هذه احتجاجا على الإصلاحات التي تعتزم الحكومة الفرنسية تمريرها بنظام المراسيم أي من دون اشتراط موافقة البرلمان قبل الصيف المقبل.
ويهدف المشروع إلى إلغاء 120 ألف وظيفة في فرنسا من أجل خفض العجز في الميزانية إلى أقل من 3% من إجمالي الناتج الداخلي وهي نسبة حددها الاتحاد الأوروبي.

- مسافرون محبطون

تبلغ نسبة التأييد الشعبي لإضراب سكك الحديدية أقل بقليل من نصف المستطلعين، بحسب استطلاع لمركز ايفوب نشرت نتائجه الأحد. وعبر المسافرون عن مزيج من التعاطف والإحباط إزاء تقليص الخدمة.
واشتكى جان ناهافوا، المدير في شركة للبيع بالجملة يقيم في ليل، ويأتي إلى باريس للعمل "أبدأ عملي الواحدة بعد الظهر، واضطررت للاستيقاظ الساعة الخامسة صباحا".
وأضاف "سيستمر الأمر 3 أشهر وسيكون الوضع معقدا".
وقال باسكال لاسنييه، الموظف في مصرف وكان ينتظر في المحطة نفسها: "أفهم أنهم يريدون الدفاع عن مصالحهم لكن ربما هناك طرق أخرى للقيام بذلك".
وفيما اختار المواطنون التنقل بالسيارات كانت طرق باريس تشهد اختناقات "استثنائية" امتدت 370 كلم خلال ساعات الذروة الصباحية قبل أن تهدأ، بحسب موقع سيتادين الذي يرصد حركة المرور.
وفي محطة غار دو ليون المزدحمة في العاصمة، كانت الأرصفة تغص بالركاب لدرجة أن امرأة وقعت في مسار القطار وأنقذها ركاب موجدون.
لكن المحطات المحلية الرئيسية كتلك في نيس وليل ومرسيليا فقد كانت مهجورة عمليا إذ توقع الركاب إلغاء رحلات.
وتم تسيير ثلاثة أرباع عدد قطارات يوروستار إلى لندن وبروكسل الثلاثاء، فيما كانت خطوط تاليس إلى بلجيكا وهولندا تسير بشكل شبه طبيعي، في المقابل لم يتم تسيير أي قطار إلى إسبانيا وإيطاليا وسويسرا.

- الحفاظ على اللحمة

ويحتج موظفو السكك الحديدية على إلغاء الوضع الخاص الذي يحظون به، وخطط لفتح القطاع أمام المنافسة وتحويل الشركة إلى شركة مساهمة، ما يمهد بنظرهم لعملية خصخصة في المستقبل، رغم نفي الحكومة.
وتأمل النقابات، على الرغم من انقساماتها وافتقارها إلى الصفة التمثيلية حيث إن 11% فقط من الموظفين في فرنسا منتسبون إليها، في كسب تأييد الرأي العام الذي تقول غالبية ضئيلة منه في الوقت الحاضر إنها تعارض الإضراب، وفق استطلاعات الرأي.
ولم يكن لحركات التعبئة الاجتماعية في بداية ولاية ماكرون الذي انتخب في مايو/أيار 2017 بناء على برنامج إصلاحي ومؤيد للاتحاد الأوروبي، تأثير كاف لحمل الحكومة على تغيير مواقفها.

وإن كانت السلطة التنفيذية تبدي حتى الآن "تصميما هادئا وتاما"، إلا أنها تواجه تصعيدا في المعركة مع استهدافها قطاعا يوظف 147 ألف شخص وحصل على دعم 12 حزبا يساريا.
وقال مصدر حكومي: "نتوقع تحركا اجتماعيا كبيرا جدا وقويا جدا، مع وطأة شديدة للغاية على مستخدمي القطارات. وعلينا في المقابل أن نبقى ملتزمين بالوجهة التي حددناها".
وعلى هذا الصعيد، طلب رئيس الوزراء إدوار فيليب من غالبيته الحفاظ على وحدة صفها ولحمتها في مواجهة التحركات المعارضة.

- التكاتف

وتشير الحكومة في تبريريها للإصلاح المزمع، إلى الديون الطائلة المترتبة على الشركة والتي بلغت 46,6 مليار يورو في نهاية 2017، وتشدد على ضرورة تحديث قطاع سيفتح قريبا على المنافسة، مذكرة بأن "كلفة تسيير قطار في فرنسا أعلى بـ30% من أي مكان آخر".
وبمعزل عن الحكومة، فإن الرئيس هو الذي يقدم على المجازفة الأكبر في هذا الملف المهم. وإن كان بقي حتى الآن على مسافة، إلا أنه لا يمكنه التراجع أمام تحركات موظفي السكك الحديدية مثلما فعلت الحكومة اليمينية عام 1995، بعدما اتهم أسلافه بالتقاعس والتخوف من الإصلاح.
في المقابل، تدعو "الكونفدرالية العامة للعمل" (سي جي تي)، أكبر النقابات الفرنسية، إلى "ضم المعارك"، آملة في جمع المطالب للدفاع عن الخدمات العامة وما يعرف بـ"النموذج الاجتماعي الفرنسي".
واتهم الأمين العام لفرع النقابة الخاص بموظفي السكك الحديدية لوران بران يوم الإثنين إدارة شركة السكك الحديدية بالسعي لـ"دفع (المضربين) إلى ارتكاب خطأ"، وقال في مقابلة أجرتها معه صحيفة لو باريزيان "إنها تسعى إلى المواجهة بين المضربين وغير المضربين".
من جهته دعا الأمين العام لـ"الكونفدرالية الفرنسية الديمقراطية للعمل" لوران برجيه إلى محادثات بين نقابات شركة السكك الحديدية والحكومة لـ"تفادي نزاع شديد لا يتمناه"، في مقابلة نشرتها صحيفة لو فيجارو على موقعها الإلكتروني.
وبعدما نزل الطلاب وموظفو الدولة والمتقاعدون إلى الشارع في الأسابيع الماضية، يحصل موظفو السكك الحديدية الثلاثاء على دعم موظفي جمع النفايات وموظفي قطاع الطاقة الذين يضربون أيضا.
أما الإضراب في شركة إير فرانس الذي قد يؤدي بحسب الإدارة إلى تجميد ربع طائرات الشركة، فليس ناجما عن إصلاحات ماكرون، لكنه يعطي مزيدا من الزخم لموجة الاستياء في مرحلة مفصلية سواء للنقابات أو للحكومة.

تعليقات