تهديدات البرهان لـ«صمود».. خطاب إقصاء يناهض السلام و«يستنسخ الفشل»
أعادت تصريحات عبدالفتاح البرهان قائد الجيش السوداني فتح ملف العلاقة المتوترة بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية، ليس من زاوية البحث عن مخارج سياسية، بل عبر خطاب إقصائي يعيد إلى الواجهة لغة التهديد والمنع التي طبعت عهودًا سابقة انتهت جميعها بالسقوط.
التصريحات، التي استهدفت بشكل مباشر قيادات مدنية فاعلة في الحراك السياسي الخارجي وهي قيادات التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، عكست – بحسب محللين لـ«العين الإخبارية»– حالة انزعاج متزايد داخل السلطة العسكرية من تمدد الصوت المدني خارج الحدود، أكثر مما عكست ثقة أو مشروعًا سياسيًا متماسكًا.
- على خطى البشير.. البرهان يهدد بمنع عودة «صمود» للسودان وقيادي يرد
- ردا على البرهان.. قيادي بـ«صمود» لـ«العين الإخبارية»: لا أحد يستطيع منعنا من العودة
تهديدات مباشرة ومنع من العودة
وأطلق عبدالفتاح البرهان تصريحات حادة ضد قيادات تحالف «صمود» خارج البلاد، متوعدًا بعدم السماح لهم بالعودة إلى السودان، وذلك خلال خطاب ألقاه في منطقة «الكلاكلة» جنوب الخرطوم.
وقال البرهان إن التحالف الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك «لن نقبل بكم، ولا تفكروا في العودة إلى البلاد، الشعب السوداني سيقتص منكم»، مضيفًا أن حمدوك ومجموعته «لن تطأ أقدامهم أرض السودان»، وفق قوله.
وترافقت هذه التهديدات مع انتقادات صريحة لاستقبال بعض الدول الأوروبية لقيادات تحالف «صمود»، في إشارة إلى الانزعاج الرسمي من المسار السياسي والدبلوماسي الذي تقوده القوى المدنية في الخارج.
«على خطى المخلوع»
وامتد هجوم البرهان ليشمل تصريحات القيادي بتحالف «صمود» خالد عمر يوسف بشأن استخدام الجيش السوداني أسلحة «كيماوية» في حربه ضد قوات الدعم السريع، إذ قال البرهان إن هذه المزاعم «لن تجد من يستمع إليها من الشعب السوداني لأن الشعب هو القوات المسلحة»، وفق تعبيره.
في المقابل، ردّ خالد عمر يوسف على تصريحات البرهان، قائلاً في تصريحات لـ«العين الإخبارية»: «لا يملك كائن من كان حق منعنا من العيش في بلادنا متى ما أردنا ذلك».
وأضاف أن البرهان «إذ يردد هذه التهديدات فإن البشير قد سبقه فيها، ولا أظن أن من يتبع خطى المخلوع سيكون مصيره أفضل منه».
وأكد يوسف أن القوى المدنية متمسكة بأولوياتها، قائلاً: «قضيتنا التي نركز عليها ونمتنع عن الانصراف عنها هي وقف الحرب ورفع المعاناة عن شعبنا، وهي قضية لا تثير حفيظة أحد غير الذين يتكسبون من استمرار الحرب، ويبتغون سلطة على أنقاض خراب البلاد».
وشدد على أن هذه التهديدات «لن تزيدنا سوى يقينًا بالمضي قدمًا، ولن تزحزحنا شبرًا واحدًا عن مواقفنا ضد الحرب والعسكرة والتطرف، ومع السلام والتحول الديمقراطي».
«بضاعة كاسدة»
وفي تقييم أوسع للتصريحات، اعتبر رئيس دائرة الإعلام في حزب الأمة القومي المصباح أحمد محمد أن لجوء البرهان إلى لغة التهديد واستعارة خطاب الطغاة السابقين يعكس أزمة في الرؤية السياسية.
وقال المصباح لـ«العين الإخبارية»: «مثل هذه الأساليب باتت بضاعة كاسدة، لن تحقق أي مكسب لصالح الشعب السوداني، ولن تثني القوى المدنية عن المضي قدمًا في طريق إنهاء الحرب ووضع حد لمعاناة المواطنين».
وأضاف أن السودان «أحوج ما يكون اليوم إلى توحيد مواقف جميع أبنائه، مدنيين وعسكريين، لإنقاذه من ويلات الحروب، وتأسيسه على أسس السلام العادل والشامل، لا إلى التنازع والصراع الذي لا يفضي إلا إلى مزيد من التمزق والتشريد والشتات».
وأكد أن تحالف «صمود» يركز على هدف واحد «لا يحتمل التأجيل»، يتمثل في إنهاء الحرب ورفع المعاناة عن ملايين السودانيين الذين شرّدتهم الحرب في الداخل والخارج.
رسالة «قلق لا قوة»
واعتبر أن تصريحات البرهان تحمل دلالات تتجاوز الرد السياسي، وتعكس قلقًا متزايدًا داخل السلطة العسكرية من اتساع دائرة الفعل المدني خارجيًا، خاصة بعد تزايد التفاعل الأوروبي مع مطالب وقف الحرب والمساءلة.
وأكد أن استدعاء خطاب المنع والتخوين لم يعد أداة فعالة في واقع تغيّر فيه وعي الشارع السوداني، وأن مثل هذه اللغة غالبًا ما تنقلب على مطلقيها، كما حدث مع أنظمة سابقة.
وأشار إلى أن استمرار هذا النهج الإقصائي يهدد بإغلاق ما تبقى من نوافذ الحل السياسي، ويعمّق عزلة السودان في لحظة يحتاج فيها إلى توافق وطني واسع لإنهاء الحرب واستعادة الدولة.
تدوير النظام البائد
ووفق المحلل السياسي والكاتب الصحفي ورئيس تحرير مجلة «أفق جديد» في السودان، عثمان فضل الله، فإن حديث عبد الفتاح البرهان من أحد مساجد جنوب الخرطوم لم يكن عابرًا أو بريئًا، بل شكّل إعلانًا سياسيًا صريحًا عن ملامح المرحلة المقبلة. خطاب يكشف، بوضوح لا لبس فيه، أن البرهان حسم خياره بالاتكاء على منسوبي النظام البائد، وإعادة تدويرهم كحاضنة حاكمة وقاعدة طيّعة، على شاكلة «عمر البشير» بنسخة جديدة، وبواجهة مختلفة وأدوات أكثر دهاءً.
ويرى فضل الله أن البرهان لا يتحرك في فراغ، بل ضمن سياق صفقة غير معلنة مع الإسلاميين، قد تبدو مؤقتة في ظاهرها، لكنها كافية لإعادتهم تدريجيًا إلى مفاصل الدولة. فالإخوان، بحسبه، لا يعنيهم اسم من يجلس على الكرسي بقدر ما يعنيهم استعادة النفوذ الذي أسقطه الشارع في 2019، حتى لو كان ذلك عبر تحالف مرحلي مع المؤسسة العسكرية.
ويؤكد أن الشواهد باتت مكشوفة، من لغة الخطاب وطبيعة الرسائل، إلى اختيار المنابر وتسلسل القرارات، مشددًا على أن كل ظهور للبرهان يزيح قناعًا جديدًا، ويعزز القناعة بأن ما يُطرح ليس مشروع دولة، بل مشروع «تمكين» مُعاد إنتاجه، بثوب عسكري هذه المرة، وبذاكرة قصيرة تراهن على نسيان شعب لم ينسَ.
«تعمّيق الانقسام»
وترى الخبيرة المصرية في الشؤون السودانية أسماء الحسيني في حديث لـ«العين الإخبارية» أن تصريحات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ضد القوى المدنية لا تحمل أي مضمون إيجابي في ظل الظروف بالغة الخطورة التي يمر بها السودان، مؤكدة أن البلاد تواجه لحظة وجودية حقيقية، تتطلب أعلى درجات التوافق الوطني، لا تصعيد الخطاب الإقصائي أو توسيع دائرة الخصومة السياسية.
وتوضح الخبيرة أن السودان يعيش معاناة إنسانية وأمنية غير مسبوقة، فيما باتت وحدته الوطنية على المحك، وهو ما يستدعي توحيد جهود جميع أبنائه لعبور هذه المرحلة «الصعبة والعصيبة للغاية»، عبر الحوار والتواصل وبناء أرضية مشتركة بين مختلف الأطراف السودانية، بدل اللجوء إلى لغة التهديد والتخوين.
وتلفت إلى أن خطورة المشهد لا تتوقف عند حدود التصريحات، بل تتجاوزها إلى إجراءات تُتخذ على الأرض، تستهدف ملاحقة ومحاكمة قوى مدنية بعينها، في وقت يبدو فيه أن «سخط وغضب السلطة وقادة الجيش موجّه أكثر نحو القوى المدنية منه نحو قوات الدعم السريع»، وهو ما تصفه بأنه مسار غير مفيد على الإطلاق، ويؤدي إلى تعميق الاستقطاب بدل احتوائه.
وتعتبر الخبيرة أن التعامل مع تحالف «صمود» كأنه حاضنة لقوات الدعم السريع أو مسؤول عن إشعال الحرب يمثل تشويهاً متعمداً للواقع، مشددة على أن التحالف «طرف مدني في نهاية المطاف»، وأن هذه الأجواء لا تساعد على التوصل إلى حلول، بل تدفع البلاد نحو مزيد من الانسداد السياسي.
وفي هذا السياق، تشير إلى أن المطلوب في هذه المرحلة هو دعم مسار تسليم السلطة إلى المدنيين، ومساندة جميع القوى المدنية من أجل التلاقي وبناء توافق وطني واسع ينقذ البلاد، لا إطلاق تصريحات أو اتخاذ إجراءات عقابية ضد قوى يفترض أن تكون جزءاً من الحل لا هدفاً للتصفية.
وتربط الخبيرة خطاب البرهان بإعادة إنتاج لغة النظام السابق، معتبرة أن هذا النهج «استُخدم من قبل نظام عمر البشير، وانتهى في نهاية المطاف إلى الزوال»، ما يجعل تكراره اليوم دليلاً على غياب الدروس المستفادة من التجربة السودانية القريبة.
وعن موقع الإسلاميين في الأزمة، توضّح الخبيرة أن الحل الدولي، كما تطرحه «الرباعية الدولية»، يتجه بوضوح إلى إقصاء الحركة الإسلامية السياسية من المشهد المستقبلي في السودان، وهو ما يدفع هذه التيارات إلى رفض هذا المسار ومحاولة عرقلته، الأمر الذي يفاقم الأزمة ويؤثر سلباً على فرص التوصل إلى تسوية حقيقية.
وتحذّر من أن استمرار الحروب الصغيرة وتصفية الحسابات السياسية يتم دائماً «على حساب الوطن كله»، مؤكدة أن السودان إذا لم يتعامل جميع أطرافه بجدية مع الحلول المطروحة والتحديات الراهنة، فإنه مقبل على مخاطر أكبر، وقد يبتعد الحل أكثر فأكثر، لتدور دائرة المساءلة في نهاية المطاف على كل من أشعل الحرب أو تورّط فيها.
وحول دلالات تصريحات البرهان، ترى الخبيرة أنها تحمل رسالتين في آن واحد: «قلق وخوف» من الحراك المدني الخارجي، خصوصاً بعد تحركات أوروبية وتصريحات عن دعم تحقيقات تتعلق بجرائم حرب واستخدام محتمل للسلاح الكيماوي، وفي الوقت نفسه «محاولة لإظهار القوة» في مواجهة هذه التحركات، عبر توجيه رسائل للداخل تهدف إلى وصم القوى المدنية بأنها تعمل ضد البلاد، والسعي إلى حشد الداخل خلف السلطة والجيش في معركته الراهنة.
وتخلص الخبيرة إلى أن هذا النهج المزدوج، القائم على التخويف وإظهار القوة، لن يقود إلى استقرار، بل يكرّس الانقسام ويؤخر الوصول إلى حل سياسي شامل ينقذ السودان من الانهيار.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQg جزيرة ام اند امز