ثقافة

تيماء السعودية..بانوراما لحضارات الجزيرة العربية عمرها 85 ألف عام

الإثنين 2018.10.8 04:52 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 111قراءة
  • 0 تعليق
تيماء محافظة سعودية تحوي آثارا تعود لآلاف السنين

تيماء محافظة سعودية تحوي آثارا تعود لآلاف السنين

كنوز تاريخية وأثرية ضاربة في القدم، تحفل بها محافظة تيماء التي تقع في شمال غرب المملكة العربية السعودية ويعود تاريخها إلى أكثر من 85 ألف عام. وتمثل أثار تيماء بانوراما للحضارات الإنسانية المتعاقبة على شبه الجزيرة العربية، لذا تحظى المحافظة باهتمام كبير من الدولة في إطار رؤية المملكة 2030، وبرنامج خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاري للمملكة. 

وتتبع محافظة تيماء إداريًا منطقة تبوك، مبتعدة عن مدينة تبوك مسافة 265 كيلو مترًا باتجاه الجنوب الشرقي، بينما تقع بين خطي عرض "27 و38" درجة باتجاه الشمال، وخطي طول "38 و32" درجة باتجاه الشرق، وتحتفظ بالكثير من المواقع والمعالم الأثرية والتاريخية والنقوش الحجرية الضاربة جذورها في أعماق تاريخ الجزيرة العربية والحضارات التي تعاقبت عليها.

وعدت تيماء على مر العصور مركزاً تجارياً واقتصادياً ونقطة التقاء للطرق التجارية القديمة فيها، وتتمتع بوفرة ونقاء المياه وخصوبة التربة واعتدال المناخ مما جعل الحضارات القديمة تتعاقب عليها بدءًا من العصور الحجرية الحديثة "الألف العاشر وحتى نهاية الألف الرابع ق.م"، مرورا بالعصر البرونزي "الألف الثالث ق.م" ثم العصر الحديدي "الألف الثاني ق. م "، وهو العصر الذي فيه ازدهرت تيماء حتى أصبحت واحدة من أهم المدن في شمال الجزيرة العربية.

تيماء عبر العصور

وورد اسم تيماء في الكتابات المسمارية الآشورية، والمسمارية البابلية، والآرامية، والنبطية، وكانت محوراً مهماً في العهد البابلي، وولى "الرسول صلى الله علية وسلم" الصحابي يزيد بن أبي سفيان عليها، وكانت مورداً مهماً ومنطلقاً للفتوحات الإسلامية، ومرت تيماء خلال العصر الإسلامي بأحداث عدة، وكانت تظهر تارة وتخبو تارة حتى عهد الدولة السعودية حيث بدأت تيماء بالنمو، وشهدت ازدهارا متواليا في مختلف الصعد وأكسبها تراثها الثقافي والتاريخي شهرة واسعة.

وتتميز تيماء بوجود معالم وشواهد تاريخية، مثل: "السور الخارجي" الذي يعد من أطول الأسوار التاريخية في الجزيرة العربية وأكثرها تحصينا إذ يبلغ طوله أكثر من 10 كيلو مترات، وارتفاعه في بعض الأجزاء المتبقية حاليا أكثر من 10 أمتار وعرض جداره ما بين المتر والمترين، وشيّد السور في بعض أجزائه بالحجارة، وفي أجزاء أخرى من اللبن والطين، وتعود فترة بناء السور إلى القرن السادس ق.م وكذلك قصر الحمراء وهو مبنى ذو ثلاثة أقسام الأول معبد والآخران للسكن؛ أحدهما شيد ضمن فترة المعبد ثم أضيف الجزء الجنوبي من القصر خلال فترة لاحقة تم الكشف عنه عام 1979 م، ومن أهم بقاياه مسلة تحمل نصاً أرمياً وحجر مكعب يحوي مشاهد ورموز مختلفة يعود تاريخ القصر إلى القرن السادس ق.م.

ومن أهم آثار تيماء أيضاً "قصر الرضم"، وهو عبارة عن حصن مربع وسطه بئر مشيد من الحجارة المصقولة وله دعامات في زواياه ووسط أضلاعه من الخارج ويصل عرض جداره إلى المترين ويعود تاريخ القصر إلى منتصف الألف الأول ق.م.

كما تعد بئر "هداج" من أشهر الآبار التي عرفها العالم القديم ويعود تاريخها إلى منتصف القرن السادس من الألف الأول ق.م، وتعرضت البئر خلال تاريخها لأحداث عدة اندثرت خلالها لكن معالمها بقيت حتى أعيد حفرها قبل 400 عام تقريبًا لتعود للعمل والعطاء، وتستمر في إمداد المكان بالمياه بواسطة السواني حتى عام 1373 هـ .

وتضم تيماء أيضاً موقع "قرية"، وهو موقع كبير تزيد مساحته على 300 هكتار ويحتوي على الكثير من المعالم العمرانية المشيدة من الحجارة والقصور والمباني المدنية والمنشآت الزراعية من آبار وقنوات ري ومرافق متعددة ويحتوي الموقع على مدافن من الفترة الأرمية، إضافة إلى أنه تم تحصين هذه المنطقة بسورين داخلي وخارجي تعلوهما أبراج مراقبة تتركز في الجهتين الجنوبية والغربية.

وكشفت أعمال التنقيبات في هذه المواقع نتائج علمية مهمة ومنها الكشف عن أجزاء من التل الرئيسي الذي تظهر مكتشفاته وجود مراحل استيطانية متعددة، وبرزت منه العديد من المنشآت والمرافق حيث تم الكشف عن أجزاء من السور ومنشآت ملاصقة. أظهرت نتائج تحليل البناء إلى أن السور يعود في تاريخ إنشائه إلى القرن التاسع عشر قبل الميلاد.

إضافة إلى ما سبق، فقد تم العثور على عدد من النقوش والكتابات المسمارية والثمودية والأرمية والنبطية والإسلامية المبكرة والمتأخرة وعلى أدوات فخارية ذات خصائص زخرفية مميزة، وأجزاء من تماثيل آدمية وحيوانية وعناصر زخرفية وعملات ومنحوتات حجرية كالمباخر والتيجان وغير ذلك من المواد الأثرية.

ومن أهم المعالم البنائية الأثرية في تيماء قصر السموأل "الأبلق الفرد" الذي اكتسب شهرة واسعة، وأسهبت المصادر التراثية في الحديث عنه، ويقع في الجزء الجنوبي من المدينة القديمة لتيماء إلى الشمال من المقر الجديد لمبنى محافظة تيماء، وينسب بناؤه إلى عاديا الجد الأول للسموأل، وورد ذكر الحصن في العديد من كتب العرب القدماء، وممن ذكره ياقوت الحموي الذي يقول عنه "إنه على رابية من تراب فيه آثار أبنية من لبن لا تدل على ما يحكي عنها من العظمة والحصانة".

ومن معالم البناء في محافظة تيماء مصنع الطوب الفخاري ويقع داخل المنطقة السكنية الجديدة ويعود تاريخه إلى القرن الثاني قبل الميلاد، وقصر البجيدي أحد معالم الفترة الإسلامية المبكرة، والقصر عبارة عن شكل مربع له أبراج في زواياه، وتم الكشف عن بعض أجزائه التي تحمل جدرانه عدد من النصوص العربية التي توثق لفترته التاريخية , و"رجوم صعصع" وتقع جنوب تيماء على مساحة واسعة تصل إلى 27 كيلو متراً مربعاً, وهو حقل من المقابر الركامية المختلفة في أشكالها، ويعود تاريخها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وأدت أعمال التنقيبات في بعض هذه المدافن إلى معرفة التفاصيل البنائية وأنماطها المعمارية فيها.

وعلاوة على الأنماط والعناصر المعمارية المهمة لهذه المدافن فقد كشفت أعمال التنقيبات عن العثور على أعداد كبيرة من القطع المميزة التي اشتملت على أوانٍ وأدوات فخارية متنوعة في استخداماتها وتماثيل فخارية وبرونزية وحلى وأدوات زينة تعود للقرن السادس قبل الميلاد.

جبل غنيم

يقع جنوب شرق تيماء بمسافة 10 كيلو مترات في سلسلة جبال تمتد حول تيماء عبر زاويتها الجنوبية الشرقية، وعلى قمة الجبل آثار لبناء مهدم وعلى الواجهات الصخرية، ووجد على الجبل نقوش تشير معظمها إلى رموز عقائدية قديمة، وكذلك العديد من التلال والأعمدة المنصوبة، ومن أهم مواقعها جبل غنيم ووضحى والخبو الغربي والشرقي والمشمرخه والصفاة الماردة والخبو والمكتبة وأم سرف ومحجة تيماء وطويل سعيد وغيران المجدر وغيرها كثير.

كما وجد في تيماء عدد من النقوش المسمارية التي تعود إلى القرنين السادس والثامن قبل الميلاد، وكما في العصور الغابرة ظل موقع محافظة تيماء بإرثه وأثاره وتاريخه العريق موقعاً جغرافياً متميزاً على مدى تعاقب الحضارات والعصور والدول، انطلاقاً منذ عصر الاستقرار البشري بدءاً بالعصور الحجرية ثم العصر البرونزي ثم الحديدي ثم العصر الجاهلي الذي تمثله فترة السموأل ثم العصر الإسلامي، ومروراً بفتراته المتعددة وحتى العصور القريبة، ومنها إلى عهد المملكة العربية السعودية بمراحله الثلاث.

بئر هداج

تعد من أكبر آبار الجزيرة العربية وأشهرها، ويعود تاريخ حفرها إلى القرن السادس قبل الميلاد ويطلق عليها "بشيخ الجوية"، ويبلغ محيط فوهتها 65 متراً، وعمقها من 11 إلى 12 متراً، وهي مبنية من الحجارة المصقولة، وتحيط به أشجار النخيل من الجهات الأربع، وتستقي البئر 100 رأس من الإبل في وقت واحد أثناء فصل الصيف، فيما تنقل المياه من البئر بواسطة قنوات حجرية يبلغ عددها 31 قناة معمولة من الحجارة .

وتسعى المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين ـ حفظهما الله ـ، إلى تنمية سياحية قيمة ومميزة ذات منافع اجتماعية، وثقافية، وبيئية، واقتصادية، انطلاقا من قيمها الإسلامية، وأصالة تراثها العريق وضيافتها التقليدية.

متحف تيماء الإقليمي

ويعد الاكتشاف الأخير الذي أعلن عنه الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني المتمثل في وجود آثار أقدام إنسان قديم على ضفة بحيرة قديمة في صحراء النفود على أطراف منطقة تبوك؛ اكتشافا مدهشا ونادرا جداً يُظهر مدى اتساع انتشار الإنسان في الجزيرة العربية ضمن مناطق الهجرات البشرية التي حدثت قبل آلاف السنين، وتناقلته مختلف الأوساط العلمية والإعلامية على المستوى العالمي.

وأبان في حديث سابق له أن عمر آثار الأقدام يتعاصر مع أحفورة أصبع إنسان عاقل عثر عليها مؤخراً بالقرب من موقع الوسطى في محافظة تيماء يعود عمرها إلى 85,000 سنة، مرجحًا أنه من أوائل المهاجرين في العصر الحديث إلى الجزيرة العربية وعبر صحراء النفود التي كانت آنذاك مراع خضراء غنية بالأنهار والبحيرات والمياه العذبة ووفرة الحيوانات التي كانت مصدر غذاء للإنسان.

وقال مدير مكتب الآثار بمحافظة تيماء محمد بن حمد النجم في تصريح لوكالة الأنباء السعودية: إن مشروع تطوير متحف تيماء الإقليمي الذي يقع على مساحة 16310 أمتار مربعة، يأتي ضمن منظومة المشاريع التي توليها الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني جل اهتمامها للإرث التاريخي الذي تزخر به المحافظة، وسيتم الانتهاء من العمل به في عام 2020م.

وأفاد أن تصميم المتحف مستوحى من المكانة التاريخية لمحافظة تيماء، ويمثل المعالم والشواهد الاثرية والتاريخية للمحافظة وفق أحدث التصاميم، ويضم عدداً من العناصر الرئيسة تشمل سبع قاعات تحاكي الحقب التي مرت بتيماء والحضارات التي عايشتها فالقاعة الأولى عن بيئة المنطقة، ثم قاعة لعصور ما قبل التاريخ وأخرى للفترة الإسلامية، وقاعتان للتراث العمراني وللتراث الحديث وقاعة عنوانها عيش السعودية وللعروض الزائرة تم تخصيص قاعة.

ولفت إلى أن المبنى الجديد يحتوي على صالة عرض سينمائي ومجالس لكبار الزوار ومكاتب إدارية وركن لبيع الهدايا والتذكارات إضافة لقسم نسائي متكامل، ومستودعات لحفظ الآثار ومعامل للتصوير والمساحة والرسم، ومكتبة، ومكاتب للباحثين وصالة للمطالعة تتسع لثمانية وأربعين شخصاً، وكافتيريا، وقاعة استقبال، وقاعة للمحاضرات واُخرى متعددة الأغراض، ومواقف للسيارات إضافة للخدمات الأخرى المساندة التي تمكن الزوار من الاطلاع على محتويات المتحف.

تعليقات