قدّم النظام الإيراني الثيوقراطي، منذ عقود، نفسه بوصفه فاعلاً إقليمياً يملك أدوات قوة متعددة وتأثيراً في الشرق الأوسط، لا باعتباره دولة تقليدية وفق الشرعية والعلاقات الدولية، بل مشروعاً أيديولوجياً عابراً للحدود.
لذا كان أشبه بطاووسٍ ينفش ريشه في منطقة الشرق الأوسط والسياسة الدولية، فريشه الملون كان يعكس صورة النفوذ العقائدي، والقدرات الصاروخية، والبرنامج النووي، والقدرات الاقتصادية في النفط والغاز، وأذرعٍ تمتد من لبنان إلى العراق وسوريا وغزة وصولاً إلى اليمن، إضافة إلى ورقة مضيق هرمز التي طالما استمد النظام قوته من التلويح بأن زعزعة المضيق سوف تسبب أزمة طاقة على المستوى الدولي، ناهيك عن شريحة اجتماعية تقدم له الولاء على حساب مواطنتها في دولها، ويقابل هذه الشريحة، حقيقة كون الشعب الإيراني يعاني الفقر وضعف التنمية وغياب العدالة.
الطاووس الإيراني لم يعتمد فقط على قوته العسكرية وقدراته الاقتصادية من النفط والغاز وموقعه وحدوده الجغرافية، بل اعتمد أيضاً على صورة الهيمنة التي بناها حول نفسه.
فقد شكّل حزب الله رأس النفوذ الإيراني في شرق المتوسط، بينما تحوّل العراق بعد عام 2003 إلى مساحة نفوذ واسعة لطهران عبر الميليشيات والأحزاب والحكومات الموالية.
ولعل من أهم ما فعله هذا الطاووس على المستوى الدولي بعد حرب العراق عام 2003 أنه مثّل حلقة مهمة في إبراز أهمية الدب الروسي والصين في أمن الخليج والشرق الأوسط.
كما جاء نظام بشار الأسد ليكون الجسر الجغرافي والسياسي الذي يصل طهران بالبحر المتوسط، ويربط العراق المهيمن عليه بسوريا، خاصة بعد اندلاع أحداث ما يسمى بالربيع العربي.
وقد مثلت حماس عائقاً أمام السلطة الفلسطينية «فتح»، وأدخلت مصالح طهران على حساب القضية الفلسطينية.
أما مضيق هرمز، فكان بمثابة ورقة تهديد ضد من يتصادم مع النظام الإيراني، إذ لطالما مثّل كلفة عالية في أي تصور للمواجهة بين الغرب والنظام، لكن الطاووس الذي بالغ في استعراض جمال قوته بدأ يفقد الكثير من أدواته.
فحزب الله لم يعد القوة ذاتها بعد سنوات من الاستنزاف السياسي والعسكري والاقتصادي، فقد وجهت إسرائيل، وما زالت، عمليات وضربات عسكرية مدمرة لبنية الحزب، بدءاً من عملية «البيجر» ومقتل حسن نصر الله والعديد من القادة، وصولاً إلى إبعاد الحزب عن الحدود. كما أن هناك، في الفترة الراهنة، إرادة لبنانية متزايدة لتجميد دور حزب الله والذهاب نحو اتفاق مع إسرائيل.
كذلك، فإن سقوط وانهيار نظام بشار الأسد، الذي مثّل أحد أهم أعمدة المشروع الإيراني، شكّل مرحلة تهديد حقيقية لاستمرار المشروع الثيوقراطي الإيراني العقائدي، والذي بدوره أفقد طهران عمقاً استراتيجياً بالغ الأهمية.
وحتى في العراق بدأت تظهر تيارات وطنية ترفض التبعية لإيران، فيما تمر حركة حماس بحالة إنهاك بعد حرب غزة أكتوبر 2023 ومقتل العديد من قادتها الرافضين لمفاوضات السلام. وعلاوة على ذلك، بقي الحوثيون في حالة ارتباط مباشر بقدرة النظام الإيراني على الاستمرار، في وقت تعرض فيه النظام إلى واحدة من أكبر العمليات العسكرية التي قادتها واشنطن وتل أبيب بهدف تدمير قدراته عبر استهداف قادته ومنشآته العسكرية.
إضافة إلى ذلك، تحولت ورقة مضيق هرمز من أداة قوة بيد النظام إلى ساحة مراقبة وضغط أمريكي وإسرائيلي متزايد، بهدف إخضاع طهران لاتفاق يقيد البرنامج النووي، ويقلص مدى الصواريخ، وينقل اليورانيوم، ويوقف دعم الأذرع الإيرانية في الشرق الأوسط، مقابل تعزيز مفهوم الدولة الوطنية في المنطقة.
وفي الوقت الراهن، ثمة حقيقة واضحة، وهي أن الطاووس الإيراني، الذي لطالما استعرض وتباهى بقوته المتعددة، قد خسر الكثير من أدوات نفوذه، مع تراجع مصداقيته داخل النظام الدولي القائم على الشرعية والسيادة. ويبدو أن ما تبقى لإيران هو جماعات تضعف في لبنان وغزة، وهناك حالة من التخوف لأذرع إيران في العراق وشمال اليمن، فيما يُقبض على بعض الجماعات والعناصر بتهم تتعلق بالخيانة وبتقديم الولاءات العقائدية والأيديولوجية على حساب أوطانها.
فالفارق بين «صورة الطاووس» وحقيقة الواقع أصبح واضحاً؛ فالنظام ما زال يرفع شعارات التحدي ورواية نهاية العالم وقدوم المهدي، وتهديد أمن إمدادات الطاقة، مع محاولات توسيع الحرب عبر الاعتداء على أمن دول الخليج العربية المجاورة، وهو ما يؤكد التراجع الكبير في أدوات النفوذ والقدرة على فرض المعادلات القديمة.
الطاووس الإيراني اليوم يواجه دونالد ترامب بصورة «الكاوبوي الأمريكي»، الذي يحمل عقلية تقوم على فرض الهيبة بالقوة الصلبة المباشرة، وليس عبر الدبلوماسية الطويلة أو التفاهمات الرمادية.
فترامب لا ينظر إلى النظام الإيراني باعتباره خصماً يمكن التعايش معه، بل مشروعاً يجب كسر تمدده وتجريده من أوراقه؛ من البرنامج النووي والقدرات الصاروخية إلى الأذرع الإقليمية، وصولاً إلى تهديد الملاحة والطاقة العالمية ودول الجوار.
إنها مواجهة بين مشروع ثيوقراطي أراد أن يجعل من نفسه مركزاً لإعادة تشكيل المنطقة عبر الحروب والتخلف واستنزاف القدرات الاقتصادية والبشرية في عقيدة واهمة، وبين قوة أمريكية تعتبر أن بقاء نظام إيران بهذه الصيغة يشكل تهديداً دائماً لموازين القوى وأمن الحلفاء وتدفق الطاقة العالمية. السؤال اليوم لم يعد: هل يستطيع الطاووس الإيراني الاستمرار في استعراض ريشه؟ بل: هل يستطيع النجاة بعدما فقد أبرز أدوات قوته؟ وفي هذا المشهد، يبدو أن الطاووس الإيراني يواجه أصعب اختبار في تاريخه، بينما يواصل الكاوبوي الأمريكي، بحبالهِ ومسدسهِ، فرض القوة لإعادة رسم توازنات الشرق الأوسط من جديد.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة