في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع المسارات الدبلوماسية، جاء إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران ليطرح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات.
هل نحن أمام تهدئة مستدامة أم هدنة مؤقتة تسبق تصعيدًا أكبر؟ في ظل هذا الغموض، برزت مواقف الدول، متباينة بين الحذر، والمجاملة، والتردد. لكن الموقف الإماراتي جاء مختلفًا: واضحًا، مباشرًا، وصلبًا.
لم تلجأ الإمارات إلى اللغة الرمادية التي اعتادت عليها بعض البيانات السياسية، بل سمّت الأشياء بمسمياتها. وصفت إيران بالعدو، واعتبرت الصواريخ التي استهدفتها اعتداءً صريحًا، لا “مصدرًا مجهولًا” كما يفعل البعض للهروب من الاستحقاق السياسي. هذه الصراحة ليست مجرد لهجة خطاب، بل تعبير عن رؤية سيادية تدرك أن وضوح الموقف هو أول خطوات حماية المصالح.
كما أكدت الإمارات على ضرورة إيجاد حل مستدام لأمن مضيق هرمز، وهو شريان حيوي ليس فقط لدول الخليج، بل للاقتصاد العالمي بأسره. فالأمن البحري لا يمكن أن يبقى رهينة للتقلبات أو للمغامرات الإقليمية، بل يجب أن يُبنى على قواعد واضحة تضمن الاستقرار طويل الأمد. وهنا يظهر البعد الاستراتيجي في الموقف الإماراتي، الذي لا يكتفي برد الفعل، بل يسعى إلى معالجة جذور التهديد.
ولم تغفل الإمارات جانب الحقوق، إذ شددت على حقها في التعويض عن الأضرار التي لحقت بها نتيجة الاعتداءات. هذا الطرح يعكس فهمًا عميقًا لمعادلة الردع؛ فالتهاون في الحقوق يفتح الباب لتكرار الاعتداءات، بينما المطالبة بها ترسخ مبدأ المساءلة.
الأهم من ذلك، أن الإمارات طالبت بالشفافية في أي اتفاق بين واشنطن وطهران، وبإشراك دول الخليج في صياغة ملامحه. فهذه الدول ليست مراقبًا خارجيًا، بل طرفًا أصيلًا يتأثر مباشرة بأي تفاهمات تُبرم في هذا الملف. تجاهلها يعني إنتاج اتفاقات هشة، لا تصمد أمام اختبار الواقع.
في المحصلة، قدّمت الإمارات نموذجًا لموقف سياسي يجمع بين الشجاعة والوضوح والمسؤولية. لم تتوارَ خلف شعارات فضفاضة، ولم تتخذ موقع الوسيط المتردد، بل وقفت حيث يجب أن تقف: إلى جانب أمنها وأمن محيطها الخليجي. إنها رسالة بأن الدول التي تعرف مصالحها جيدًا، لا تساوم عليها، ولا تؤجل الدفاع عنها، مهما كانت تعقيدات المشهد.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة