في اللحظة التي اتجهت فيها بعض الأطراف إلى توظيف إعلان الهدنة المحددة بمدة أسبوعين، عبر إنتاج سردية تُضخّم دورها وتُقدّم نفسها بوصفها صانعةً للسلام، بدا واضحاً أن ما يُطرح لا يعكس قوة تأثير، بقدر ما يكشف عن حاجة إلى تعويض سياسي عبر التسويق الإعلامي.
إذ تتحول الهدنة من التزام قانوني مشروط إلى أداة دعائية تُستهلك في الخطاب أكثر مما تُختبر في الواقع، وهو انزلاق في التكييف لا يغيّر من طبيعتها القانونية بقدر ما يكشف عن هشاشتها السياسية.
وفي مقابل هذا المسار، اختارت الإمارات الوضوح في ردة الفعل على الهدنة المعلنة، لا بوصفه تصعيداً سياسياً، بل تثبيتاً قانونياً للمسؤولية، فالوضوح في هذا السياق ليس خياراً خطابياً، بل ضرورة قانونية لضبط نسبة الأفعال ومنع تمييعها أو إعادة تدويرها في صيغ ملتبسة تُفقدها أثرها القانوني، وهو طرح يتسق مع ما استقر عليه القانون الدولي من ضرورة نسبة الفعل غير المشروع إلى فاعله دون مواربة.
لم يكن البيان الإماراتي تعليقاً على وقف إطلاق النار، بل إعادة ضبط دقيقة لمفهوم الهدنة وحدودها، فالدولة لم تتعامل مع الإعلان بوصفه إنجازاً سياسياً يُحتفى به، بل كإجراء مؤقت لا يكتسب قيمة قانونية حقيقية ما لم يثبت التزامه فعلياً على الأرض، وبمدى قدرته على معالجة مصدر التهديد لا مجرد تجميد مظاهره. وهذا فارق جوهري، لأن الالتزام هنا ليس شكلياً، بل اختبار فعلي للإرادة.
ومن هذا المنطلق، ربطت الإمارات موقفها بضرورة الحصول على إيضاحات تفصيلية تضمن التزاماً كاملاً بوقف الأعمال العدائية، وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة غير مشروطة، لأن الهدنة التي لا تقترن بضمانات تنفيذية واضحة لا تنشئ التزاماً قانونياً مستقراً، وتظل في حقيقتها ترتيباً هشاً قابلاً للانهيار عند أول خرق، لا سيما في ظل ما شهدته المنطقة من تهديد مباشر لحركة الملاحة وأمن الإمدادات.
وعلى مستوى التكييف القانوني، لم يتضمن البيان توصيف الأفعال صراحة بأنها - اعتداءات إرهابية -، غير أن ذلك لا يؤثر في مركزها القانوني، إذ إن قيام الوصف القانوني للفعل لا يتوقف على وروده اللفظي، بل على طبيعته الموضوعية ومدى مخالفته للقواعد الآمرة في القانون الدولي، وفي مقدمتها ما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة في المادة (2/4) بشأن حظر استخدام القوة، وهو ما يجعل هذه الأفعال، في ضوء استهدافها وأثرها، مندرجة ضمن السلوك المحظور الذي لا يكتسب أي غطاء مشروع مهما اختلفت توصيفاته.
ولا يقف هذا النهج عند حدود الوصف، بل يتصل بقواعد راسخة في القانون الدولي، في مقدمتها حظر استخدام القوة، ووجوب احترام أمن الدول وسلامة الملاحة الدولية، وهي قواعد آمرة لا تقبل الانتقاص أو إعادة التكييف وفق المصالح، وهو ما يمنح هذا الطرح طابعاً إلزامياً يتجاوز الاعتبارات الظرفية.
وعليه، فإن طبيعة الأفعال محل البيان وآثارها تضعها في إطار الأفعال غير المشروعة دولياً، بما يستوفي عناصر المسؤولية الدولية، من حيث قيام فعل مخالف للقانون الدولي، وإمكان نسبته إلى الدولة، وترتب ضرر مباشر عليه، وهو ما يرتب التزاماً بالإصلاح وجبر الضرر والتعويض، وفقاً لما استقر عليه قضاء محكمة العدل الدولية في العديد من أحكامها، وهذا ليس تقديراً سياسياً، بل توصيف قانوني مستقر.
كما أن عرض حجم الأضرار لم يكن خطاباً عاطفياً، بل تأسيساً واعياً لملف وقائعي يصلح سنداً لأي مسار قانوني أو سياسي لاحق، سواء في إطار المطالبات أو في سياق المساءلة الدولية.
وفي امتداد لهذا النهج، لم تُجزّئ الإمارات التهديد، بل قرأته بوصفه منظومة متكاملة تشمل البرنامج النووي، والقدرات الصاروخية، والطائرات المسيّرة، والأذرع الإقليمية، وتهديدات الملاحة الدولية، لأن تفكيك الخطر في التحليل يؤدي إلى تفكيكه في المعالجة، وهو ما يمنحه فرصة الاستمرار، وهذا التوصيف، في تقديرنا، يعكس فهماً دقيقاً لطبيعة التهديد المركب.
ويبرز هنا مبدأ حاكم يتمثل في رفض إدخال الإرهاب في أي معادلة سياسية، فالإرهاب لا يُعاد توصيفه وفق المصالح، ولا يُمنح غطاء تفاوضي، بل يُعامل باعتباره سلوكاً محظوراً يستوجب المواجهة والاستئصال، أياً كان مصدره أو شكله، وهو طرح يتسق مع القواعد الآمرة في القانون الدولي ويؤسس لحماية الاستقرار على المدى الطويل.
واللافت أن الإمارات لم تنخرط في مسار تضخيم الأدوار، ولم تسعَ إلى تموضع إعلامي أو دور وساطة بلا أدوات تنفيذ، بل تعاملت مع الحدث ضمن حجمه الحقيقي، باعتباره التزاماً يجب التحقق منه لا رواية يجب الترويج لها، لأن الوساطة التي تفتقر إلى أدوات الإلزام لا تنتج استقراراً، بل تخلق مخاطرة سيادية.
هذا الاتزان لا يعكس حياداً، بل يعبر عن ثقة مؤسسية راسخة تدرك أن المكانة السياسية لا تُبنى عبر الخطاب، بل عبر اتساق المواقف ودقة التقدير والقدرة على إنتاج أثر قانوني قابل للنفاذ.
وعليه، فإن البيان الإماراتي لا يُقرأ كتعليق على هدنة عابرة، بل كوثيقة تؤسس لمعادلة واضحة فيها توصيف دقيق للتهديد، تثبيت صريح للمسؤولية، شمول في المعالجة، وربط الالتزام بآليات تنفيذ ومساءلة.
فمن لا يملك أدوات فرض الالتزام، لا يملك هدنة، بل يملك سردية مؤقتة، سرعان ما تنهار عند أول خرق، لأن الأمن في النظام الدولي لا يُدار بالتصريحات، بل يُفرض بقواعد ملزمة تقترن بجزاء يضمن احترامها.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة