في لحظة إقليمية تتداخل فيها الحسابات، وترتفع فيها الأصوات أكثر مما تتضح فيها الرؤى، تبرز الإمارات بهدوء مختلف؛ هدوء لا يشبه الحياد، بل يعكس ثقة دولة تعرف كيف تدير الأزمات، لا كيف تنجرف معها.
هذا الحضور لم يتشكل صدفة، بل هو امتداد لنهج تقوده قيادة جعلت من التوازن قوة، ومن العقلانية أداة تأثير. هنا يتجلى دور الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، الذي رسّخ نموذجًا في إدارة الملفات المعقدة، يقوم على قراءة دقيقة للمشهد، وتحرك محسوب يسبق ردود الفعل، لا يتأخر عنها.
فالإمارات، في ظل قيادته، لا تتعامل مع الأزمات باعتبارها لحظات طارئة، بل مسارات تحتاج إلى ضبط واتزان؛ لذلك لا تنجرف نحو التصعيد، لكنها في الوقت ذاته لا تساوم على أمنها، ولا على استقرار محيطها.
وجاء بيان وزارة الخارجية الإماراتية اليوم ليترجم هذا النهج بوضوح؛ فلم يكن مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل تعبيرًا عن سياسة ثابتة: دعم لوقف إطلاق النار، مع التأكيد على ضرورة أن يكون وقفًا شاملًا يضمن إنهاء الأعمال العدائية، وتأمين حرية الملاحة، وإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وغير مشروط.
وفي الوقت ذاته، حمل البيان لغة حازمة تعكس وضوح الموقف الإماراتي، إذ شدد على ضرورة التزام إيران بوقف الاعتداءات، في ظل ما كشفه من حجم التصعيد خلال الفترة الماضية، حيث تجاوزت الهجمات 2800 صاروخ باليستي وطائرة مسيّرة، استهدفت منشآت حيوية ومواقع مدنية، مخلفة خسائر بشرية ومادية.
وهنا يظهر الفارق الحقيقي؛ فالإمارات لا تكتفي بالدعوة إلى التهدئة، بل تربطها بمسار واضح يضمن الاستقرار، ويعالج جذور التهديد، سواء في القدرات العسكرية أو في السلوك الذي يمس أمن المنطقة وحرية الملاحة.
كما يؤكد البيان أن الإمارات لم تكن طرفًا في هذا التصعيد، لكنها كانت حاضرة دبلوماسيًا عبر قنوات متعددة، مع جاهزية كاملة لحماية سيادتها ومصالحها الوطنية بكل حزم.
وهذا النهج لم يقتصر على إدارة الأزمة فقط، بل امتد ليشمل بناء شبكة علاقات متوازنة، تُمكّن الإمارات من لعب دور فاعل في تخفيف التوترات، وصناعة فرص الاستقرار عبر الحوار والعمل المشترك مع مختلف الأطراف، وهو ما يعزز مكانتها كقوة عقلانية مؤثرة في المنطقة.
هذا التوازن بين الدبلوماسية والقوة، بين التهدئة والحسم، ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو انعكاس مباشر لأسلوب قيادة ترى الصورة كاملة وتديرها بثقة.
في منطقة اعتادت على الضجيج، اختارت الإمارات أن تتحدث بالفعل، وفي زمن تختلط فيه المواقف، تثبت أنها دولة تعرف متى تهدئ ومتى تحسم.
وفي النهاية، لا تُقاس قوة الدول بارتفاع صوتها، بل بقدرتها على الإمساك بزمام اللحظة، وهذا ما تفعله الإمارات اليوم بثبات.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة