لا يمكن فهم الاستهداف الإيراني لدولة الإمارات بوصفه مجرد سلوك عدائي ظرفي في سياق توتر إقليمي متصاعد، لأن المسألة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة أو التنافس الجيوسياسي التقليدي.
فالإمارات لا تُستهدف فقط بسبب موقعها الاستراتيجي، أو ثقلها الاقتصادي، أو حضورها الإقليمي والدولي المتنامي، بل لأنها تمثل، في جوهرها، نموذجًا سياسيًا وثقافيًا وحضاريًا يتعارض بنيويًا مع منطق الدولة العقائدية والمشروع التوسعي المؤدلج الذي تقوم عليه الرؤية الإيرانية في الإقليم.
لقد بُنيت الإمارات، منذ تأسيسها على يد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، على فكرة مركزية مفادها أن الدولة الوطنية الحديثة يمكن أن تكون متصالحة مع هويتها، منفتحة على العالم، وقادرة في الوقت نفسه على إنتاج الاستقرار والتنمية والتعايش. ومن هنا، لم يكن الدين في التجربة الإماراتية أداة تعبئة أيديولوجية أو وسيلةً لإعادة تشكيل المجال السياسي وفق منطق الهيمنة العقائدية، بل جرى التعامل معه بوصفه ركيزة أخلاقية وثقافية داعمة للبناء الوطني، وحاضنة لقيم الاعتدال والسكينة والتسامح.
وفي مقابل ذلك، تشكلت في المنطقة، على امتداد عقود، مشاريع سياسية قامت على تسليح الهويات، وتسييس المذاهب، وتوظيف الدين كأداة نفوذ وصراع. وفي هذا السياق، تبدو الإمارات نقيضًا واضحًا لهذا النموذج؛ فهي لم تنخرط في صناعة الفوضى، ولم تجعل من الانقسام الطائفي أو الاصطفاف الأيديولوجي مدخلًا لبناء نفوذها، بل راهنت على الدولة، والمؤسسات، والتنمية، والانفتاح، والشراكات العابرة للاستقطابات.
ولم يتوقف الأمر عند البعد الداخلي. ففي السنوات الأخيرة، تحولت الإمارات إلى منصة إقليمية ودولية لإنتاج خطاب الاعتدال ومواجهة التطرف، ليس فقط عبر الخطاب السياسي، بل من خلال مؤسسات ومبادرات ذات أثر رمزي وفكري واستراتيجي، مثل منتدى أبوظبي للسلم، ومجلس حكماء المسلمين، والمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة. وهذه المبادرات لم تكن مجرد واجهات دبلوماسية ناعمة، بل ساهمت فعليًا في إعادة بناء تصورات جديدة للعلاقة بين الإسلام والدولة والمجتمع والعالم، على أسس من المواطنة، والتعددية، والسلم الأهلي، والتقارب الإنساني.
ومن هنا، فإن أحد الأبعاد الأعمق للصراع مع إيران ومن نحا نحوها يتمثل في كونه صراعًا بين نموذجين متناقضين في فهم الدولة والدين والسلطة والمجتمع: نموذج يرى أن النفوذ يمر عبر المليشيات، والتعبئة العقائدية، وتفكيك الدول من الداخل، وتغذية الانقسامات؛ ونموذج آخر يثبت أن الاستقرار يمكن أن يُبنى عبر التنمية، وأن الحضور الإقليمي يمكن أن يتحقق عبر الثقة والشراكة، وأن القوة يمكن أن تكون عقلانية ومؤسساتية ومنتجة للاستقرار لا للفوضى.
بهذا المعنى، فإن الإمارات تُستهدف لأنها تُربك السردية الإيرانية وتُحرجها؛ فهي تقدم برهانًا عمليًا على أن الدولة العربية الحديثة ليست محكومة بالهشاشة، وأن الهوية الإسلامية ليست حكرًا على المشاريع المؤدلجة، وأن النفوذ لا يحتاج إلى خطاب تعبوي أو وظيفة ثورية لكي يكون مؤثرًا. إن مجرد نجاح هذا النموذج يشكل، في حد ذاته، تحديًا رمزيًا وسياسيًا وفكريًا للمشروع المقابل.
لذلك، فإن استهداف الإمارات لا ينبغي قراءته فقط بوصفه استهدافًا لدولة ناجحة، بل بوصفه أيضًا استهدافًا لفكرة ناجحة: فكرة أن العالم العربي قادر على إنتاج نموذج حديث، متوازن، وفاعل، يجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الهوية والتحديث، وبين الاستقرار والطموح. وهذا، في العمق، هو ما يجعل الإمارات هدفًا لمن لا يستطيع أن ينافسها في البناء، فيلجأ إلى منطق الاستهداف والتقويض.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة